العادات والتقاليد وأصلها كعبادات سحرية

العادات والتقاليد وأصلها كعبادات سحرية

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

هناك أصول شرعية عامة، ما دخل فيها اخذ حكمه منها، والشرع لم يأتي مفصلا للعادات والعبادات الوثنية، ولكنه أثبت العبادات الشرعية، وما عداها من عبادات محرم إتيانها، فالقاعدة الأصولية تقول: (الأصل في العبادات المنع إلا بنص، والأصل في العادات الحل إلا بنص) فإن ثبت أن عادة متبعة اليوم كان الأصل فيها أنها عبادة حرم إتيانها، لأنه يحرم الإتيان بأي عبادة لم يرد بها نص تشريعي، وإن تلك الاعتقادات في الغيبيات قد تحولت إلى عادات بعد أن كانت في الأصل مرتبطة بالديانات والعبادات، سواء السليم منها أو السقيم، فاندثر أكثر السقيم إلا حثالة منه خالطت السليم من المعتقدات الدينية، حتى صارت تنازع المعتقدات الصحيحة وتجور عليها، وهذا نتيجة للجهل، والتفريط المتعمد في شرعنا الحنيف، وبالرغم من مخالفة هذه المعتقدات الباطلة لصحيح الدين، إلا أنها صارت تتردد على ألسنة الناس، وغالبا هم لا يدركون ذلك التعارض بينها وبين الحق، وبسبب الفاصل الزمني الكبير بين مصدر تلك المعتقدات الباطلة، وبين عصرنا الحالي، جهل الناس تلك الصلة بين ما يرددونه من أفكار ومعتقدات وبين أصلها الوثني، ولأن الأنفس تمثيل إلى الطريف والغريب، مال الناس إلى تلك الأمور وتجاهلوا الثوابت من الدين، فضلوا عن الحق، خاصة وأنهم أعرضوا عن طلب العلم، في نفس ذات الوقت تناوم بعض الدعاة والعلماء عن أداء دورهم المنوط بهم، وسكتوا عن الحق وصفقوا للباطل وهلم جرًا !.بالبحث عن منشأ الكثير من العادات والتقاليد السائدة في عصرنا الحالي، وبدراسة أصولها المتوارثة عن الحضارات الوثنية البائدة، والممتدة جذورها عبر التاريخ، يتأكد لنا مدى صلة الكثير من عاداتنا وتقاليدنا المرتبطة بأصول غير إسلامية، وخاصة بالحضارات الوثنية التي ساد فيها السحر كعقيدة ودين، يمارس فيها طقوس السحر التي تمثل في حقيقتها طقوس عبادة الشيطان، وآثار الفراعنة وبابل خير شاهد حي على ما أورده كتاب الله عز وجل، من انتشار السحر في تلك الحقبة من الزمان على أرض مصر والعراق.رفاعي سرور يقول: (أما الصلة بين الآثار والفراعنة باستثناء الهرم الأكبر والأوسط وأبى الهول والمسلة، فهي ثابتة من خلال تقليد الفراعنة لتلك الآثار الشيطانية ابتداء من الهرم الأصغر وانتهاء بالمعابد الفرعونية الشيطانية ومرورًا بجميع الآثار المنسوبة إلى الفراعنة فعلاً؛ مما يعنى أن الصلة بين إبليس والفراعنة ثابتة وقائمة، بل إن علاقة الفراعنة بإبليس هي أوثق علاقة بين الجن والإنس وأن كل أعمالهم هي في الحقيقة وحي مباشر من إبليس لهم وأن مضمون عبادتهم وطقوسهم هي العبادة التامة لإبليس منهم، والدليل على ذلك هو ظاهرة عبادة الشمس والأفعى كمضمون وثني بجميع الديانات القديمة المنبثقة عن الفرعونية… ولم تقف علاقة إبليس بالفراعنة عند حد المضمون الوثني، بل تجاوزته إلى توافق التقاليد الفرعونية في الواقع البشرى مع التقاليد الإبليسية في الواقع الشيطاني، حتى بلغ التوافق أن يذكر القرآن الاقتراب الشيطاني بين إبليس وفرعون مع قوله سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًا، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)[غافر: 46]، فأصبح فرعون في أشد العذاب).

[1]سعد الخادم يقول: (وهكذا فكلما تعقبنا دراسة العادات والتقاليد الشعبية ظهر لنا ارتباطها بديانات قديمة وأساطير المجتمع الشعبي وعاداته التي تفسر على أنها نوع من الشعوذة والخرافة، وهى في الحقيقة عالم متكامل الصلة بين مظاهره المتعددة، فهو رغم مظهره المتناقض يكون نمط من التفكير وأسلوبا له مقوماته، قلما توفرت فيه عوامل السذاجة والجدة المصادفة). [2]

وكمعالج احتك بعالم الجن والشياطين وتعامل معهم حتى اكتسبت قدر من الخبرة جعلت هذا العالم مألوفا بالنسبة لي على الأقل، وما اكتشفته من واقع علاقة الإنس بالجن أكثر بكثير جدًا مما سيرد ذكره مما لا يصدقه عقل، ويفوق في وصفه الخيال وأساطير (ألف ليلة وليلة)، مع الفارق بين خيال المؤلف وبين الواقع الملموس الذي يفتقد دائما للدليل المادي، ولكن ما سيرد ذكره هو مجرد موجز يصف الجزء الملموس من واقع هذه العلاقة، ومقدمة مختصرة لو كما يقال (وما خفي كان أعظم) لا أستطيع نشره، تعميم إنكار الباطل، ولست من هواة تصيد السقطات وكشف العورات، فما رأته عيناي وسمعته أذناي قد لا أملك عليه دليلا ماديًا يؤكده، هذا تبعًا للمنهج العلمي للبحث والدراسة، اللهم إلا المرضى الذين قصوا على مشاهداتهم في الجلسات، فقد يعدها البعض شطحة خيال مؤلف، أو خرافة قد يكون نشرها سببا في زيادة كثافة [الدخان الأسود]، فلا طائل من وراء ذكر ذلك إلا زيادة الشعور بالألم، لذلك سنأخذ العبرة مما تراكم في المجتمع من رواسب سحرية شائعة، حتى لم يعد هناك بيتًا يخلو من ذلك البلاء الذي حل علينا بسبب انتشار السحر، لكن يكفينا الثمرة الخبيثة كدافع لإنكار الأصل الفاسد بثبوت فساد نتائجه.

بيان سبيل المجرمين ومواجهته: لا يمنع انتشار الخبث من وجود الحق عزيزًا لا ينازعه الباطل في ثباته، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: 9] ولأنه لا إكراه في الدين، فمن الواجب علينا تجنب السلبية، وأن نكون إيجابيين فنأخذ الحق ما علمناه، وننحى الباطل ما اعترض طريقنا، كما كان حال سلفنا الصالح من قبل، لذلك يجب أن نصفي معتقداتنا من تلك الخرافات.

أنور الجندي يقول: (لم يطمس المسلمون حضارات من سبقهم بل حاولوا مراجعة نتاجها وتصفية وإساغة الصالح منها، ورد الزائف، وتصحيح المقاييس الخاطئة، وتحرير هذا النتاج كله من أوضار الوثنية، وتصفيته في بوتقة التوحيد الخالص، وقد عالجوا الأمور بعقلية متفتحة، وصدر رحب، فرفضوا الفلسفات الإلهية القائمة على الوثنية والإباحية، وحرروا شذرات الفلسفة، فأهملوا تلك التي لا تحقق نتائجها، كالسحر والنجوم والأساطير، وصححوا أخطاء بطليموس وأرسطو.. ) [3]

إن المتتبع لأصول الكثير من عادتنا وتقاليدنا، سيجد أن كثيرًا مما نشأنا وترعرعنا عليه ليس لا صله بالإسلام ابتداءً، ويخالف التوحيد انتهاءً، حيث أن الكثير منها ذو أصل وثنى، فإما أهمل فلم يعالج، على وجه أخص في الأماكن النائية والمتطرفة، وخاصة ما كان من دول على حافة الدولة الإسلامية كالبوسنة والشيشان والصومال وكشمير وإندونيسيا، فاستفحل أمره، وإما استمر إحياءه عن طريق التقليد الأعمى، أو أن أحد قد دسه إلينا في الخفاء دون أن ندرى!

وإذا علمنا مدى خطورة تلك الرواسب الوثنية على المعتقدات وثيقة الصلة بدين الله تعالى، أدركنا حتمية وضرورة التعرف عليها وكشفها، لنقف على حكمها ببصيرة الإسلام، فإنه من الخطورة بمكان أن نعفوا صفحًا عن تلك المسوخ العقائدية، لأنها من جهة ستفسد صلتنا بالله، ومن جهة أخرى ستكون لصيقة بالإسلام وأهله، بما يشوه صورة الإسلام والمسلمين أمام الله عز وجل، ومن ثم أمام الناس جميعًا، وإن السكوت عن تلك الأخطاء لا مانع مطلقا أن يكون سببا في حلول غضب الله علينا، واستحقاق سخطه، وتأخير النصر والظفر، ولا مانع مطلقًا أن تنزل بنا سنة الاستبدال قال تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّواْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُواْ أَمْثَالَكُمُ) [محمد: 38].

فلا بد من البدء في تطهير معتقداتنا من كل باطل، وإصلاح ما فسد منها لقوله تعالى: (وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنعام: 54].

العلامة ابن السعدي يقول: (فلابد مع ترك الذنوب الإقلاع والندم عليها، من إصلاح العمل وأداء ما أوجب الله وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة فإذا وجد ذلك كله (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنعام: 54]، (أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به مما أمرهم به). [4]

فبقدر ما سنكتشف من باطل وبقدر ما نطهر أنفسنا منه، بنفس ذات القدر سنحقق تقدمًا إلى الأمام في نشر الدين، وعودة الخلافة الإسلامية، فكيف نأمل في نصر الله عز وجل وقد علت جباه المسلمين الساجدين لله ذلك الصقر الذي يتوسط أعلامنا وراياتنا ويعتلى أكتاف رجالنا وصدورهم؟! وكيف تحف الملائكة جندي همام من جنودنا البواسل وقد أحيط جسده بصورة ذلك الصقر، على صدره وعلى كتفيه وفوق جبينه، مع أن الملائكة لا تدخل بيت فيه صوره ؟! فكيف ينصر جيش الملائكة تنفر منه؟ لا يعقل مطلقا أن يحالفنا النصر وقد علقنا تلك التمائم والأوثان، وقد كان لنا عبرة في تلك النكسات التي منينا بها سابقا، ومن حينها لم ترفع رأسنا إلى اليوم، على الأقل لازلنا نحيا آثارها، ويكفى المسلمين هزيمة وعارًا ضياع المسجد الأقصى من بين أيديهم، ولا عجب أن يخرج علينا من يقول أنهزم من أجل صوره ؟ نحن نهزم لما تحمله هذه الوثنيات من عقائد فاسدة تخامر عقول خربة من صحيح العقيدة، ولأنها مخالفات شرعية عقائدية ثابت حرمانيتها، وإن صغر حجمها في الدنيا فهي عظيمة عند الله في الدنيا وفي الآخرة .

قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف: 106](فهم وإن أقروا بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإنهم يشركون في ألوهية الله وتوحيده، فهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحال لم يبق عليهم أن يحل بهم العذاب، ويفجأهم العقاب وهم آمنون). [5]

قال تعالى: (أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [يوسف: 107]، لذلك فإن السكوت عن تلك الشركيات، وعدم بيانها والرجوع عنها قد يكون سببا في عذاب يغشاهم ويعمهم ويستأصلهم فجأة )وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ( أي: فإنهم قد استوجبوا لذلك، فليتوبوا إلى الله ويتركوا ما يكون سببا في عقابهم). [6]

وإذا ضربنا مثلا بما سبق، فالسلبيات كثيرة وأكثر من أن يحصيها كتاب، فالبحث وراء تلك البدع ذات الأصل الوثني، ليس إلا استبانة لسبيل المجرمين والضالين حتى نتجنبه ونتبرأ منه، وإذا كانت بضدها تتباين الأشياء، فذلك حتما بالضرورة قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 55].

(أي نوضحها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد ليهتدي بذلك المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)، الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت وإتضحت أمكن إجتنابها والبعد عنها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل).[7]

ولولا إثم شيوع الفاحشة ونشرها بين الناس، لأوردت الكثير مما وقع الناس في شره، من الذين أوقعوا أنفسهم فيها إما عن جهل أو عن قصد، لكن عموما سنركز في بحثنا هذا عن الشائع والمتعارف عليه بين الناس، ومما لا ضرر من تكراره، خاصة وأنه أخذ شكل العادات والتقاليد حيث استمرأها الناس وصارت مألوفة وعرفا متداولا بينهم، إلى أن فقدوا القدرة على التمييز بين العادات والعبادات، خاصة وأن أصل هذه العادات عبادات للشيطان وقربات له، مما يشكل استمرارها خطرًا حقيقيا على العقيدة، ويعد عائقا وحجر عثرة في طريق مسيرة الأمة، ولأنها سببا في حبس الرحمة المنزلة علينا وقطع المدد الرباني.
_______________________________________
([1]) انظر: [عندما ترعى الذئاب الغنم] ـ مصدر سابق. صفحة (2/112-114).

([2]) (الخادم؛ سعد [الفن الشعبي والمعتقدات السحرية] الألف كتاب الأول (488)، (مكتبة النهضة المصرية _ القاهرة). صفحة (32).

([3]) ) أنور الجندى/ موسوعة مقدمات العلوم والمناهج ـ مصدر سابق. صفحة (7/ 118).

([4]) انظر: [تيسير الكريم الرحمن] ـ مصدر سابق. صفحة (258).

([5]) انظر: ـ المصدر السابق. صفحة (406).

([6]) انظر: ـ المصدر السابق. صفحة (406).

([7]) انظر: ـ المصدر السابق. صفحة (258).

حدوة الحصان وصلتها بالحسد

 وصلتها الحسد horseshoe حدوة الحصان 

الكاتب: بهاء الدين شلبي. 

تشارلز باناتي يقول: (تعد حدوة الحصان أكثر تعويذات الحظ انتشارا في العالم، فلقد شاعت في كل زمان ومكان وحيثما وجد الحصان والإنسان. اخترع الإغريق حدوة الحصان في القرن الرابع وعدوها مثالا للحظ الجيد. إلا أن الأساطير، وعلى الرغم من تلك الوقائع، تعزو تلك العادة إلى القديس دونستان الذيأعطى للحدوة المعلقة فوق باب المنزل قوة خاصة لردع الشيطان.
يعد دونستان Dunstan الحداد الذي اصبح اسقف كانتبري عام 959 ميلادية طبقا للتقليد منشئ العادة، ففي أحدالأيام، أتى إليه رجل وطلب منه أن يحدي قدميه، مما أثار الشك لدى دونستان بأن السائل هو الشيطان خاصة وأن له أظلافا مشقوقة، لذلك فقد أوضح له أن عليه أن يعلقه مقيدا إلى الحائط ليستطيع انجاز العمل، وعلى نحو متعمد، أنجز دونستان عمله، مكيلا العذاب والآلام للشيطان مما جر الأخير إلى توسل الرحمة، لرفض دونستان تحريره قبل ان يقوم بإعطاءه قسما صادقا بأنه لن يدخل قط أي منزل وضعت حدوة حصان على بابه.

 

ما يزال المسيحيون، منذ ظهور هذه القصة في القرن العاشر، يستخدمون الحدوة بكثير من الثقة، على إطار باب المنزل أو الأمر ومن ثم في منتصف الباب لتخدم وظيفة أخرى في دق الباب إضافة إلى منعها للشيطان من دخول المنزل.

من هنا، إذا، قامت دقاقة الباب على شكل حدوة الحصان. لم ينس المسيحيون قديما القديس دونستان فاحتفلوا بعيده في التاسع عشر من أيار دون أن يغفلوا إدراج حدوة الحصان في ألعابهم.

عزى الإغريق القوى السحرية في الحدوة إلى عوامل أخرى. صنعت الحدوات من الحديد الذي يعتقدون أن به قدرة لردع الشيطان، وأخذت شكل هلال القمر الذي اعتبره الإغريق رمزا للخصب وللحظ الجيد. أخذ الرومان حدوة الحصان عن الإغريق عادّين وظيفتها المزدوجة في حدي الأحصنة وردع الشيطان والأرواح الشريرة. وانتقل اعتقاد الرومان الوثنيين بخاصة الحدوة السحرية إلى المسيحيين الذين أقاموا حوله قصة القديس دونستان.

عندما بلغ الخوف من السحر في القرون الوسطى ذروته، أولى الناس الحدوة مزيدا من الاهتمام. فاعتقد الناس تلك الحقبة بأن الساحرات يسافرن على المكاني لأنهن تخشين الأحصنة ةأي شيء يذكر بها، مما يجعل للحدوة قوة خطر السحر، زاد الناس في اعتقادهم حول الحدوة فوضعوا على تابوت المرأة المتهمة بامتهان السحر حدوة الحصان لتمنعها من الانبعاث من جديد. اعتقد صانعوا الحدوات في روسيا أنهم قادرون على ممارسة السحر الأبيض لمواجهة السحرة ولرعاية قسم الزواج وعقود العمل، فلم يكن ذلك اقسم يؤدى على الإنجيل بل على سندان الحداد الذي عليه تصنع الحدوات.

لم يعلق الإنسان الحدوات آنذاك كيفما قدر لهم، بل وفق قاعدة ثابتة تتمثل بجعل طرفيها الحدين للأعلى حفاظا على قدرتها لجلب الحظ.

بقيت الحدوة رمزا للحظ في في الجزر البريطانية حتى حلول القرن التاسع عشر. تقول إحدى الأغنيات الأيرلندية الشائعة التي رافق نشوؤها اسطورة القديس دونستان:
(بسم الله يتمسمر الشيطان وتقيد حركته). وفي عام 1805 قابل الأميرال لورد هوراتيو نيلسون أعداء أمته في معركة ترافلغار وعلى صاري سفينة القيادة فيكتوري حدوة حصان لاعتقاده يخرافة الحدوة. أنهى النصر العسكري الذي اقيم له نصب في ساحة ترافلغار في لندن في عام 1849، الحلم نابليون في غزو انكلترا. ولقد حملت الحدوة فيما يعتقد، الحظ للشعب البريطاني وسوء الحظ لنلسون ذاته فخسر حياته في المعركة).

هذه هي معتقدات النصارى في حدوة الحصان، والتي شاع استخدامها بين المسلمين، فتجد مصحفا صغيرا معلقا بحدوة حصان، وتجدها على الأبواب والسيارات والدواب وغير ذلك الكثير، وحسب المذكور في اسطورتهم هذه فهم يزعمون ان الشيطان يخاف من الخيل والحدوات، ولكن ما ورد في كتاب الله العزيز يكشف كذبهم، وأن للشياطين خيل يركبونها قال تعالى: (واجلب عليهم بخيلك)، فإذا كانت الشياطين تركب الخيل، إذا فالشيطان ينتفع بالخيل ولا تضره، ولا يخاف منها، بل إن الخيل هنا هي من جملة عدته وعتاده التي يستعين بها على غزو الإنسان والتسلط عليه،إذا فالحدة مصدر قوة للشيطان وليست مصدر رعب.

ويعود اختراع حدوة الحصان للاغريق، وذلك في القرن الرابع الميلادي حيث اعتبروها
أنموذجا للحظ الجيد، إلا ان الأساطير تعزو تلك العادة الى القديس دونستان
الذي اعطى للحدوة المعلقة فوق باب المنزل، قوة خاصة لردع الشيطان
وكان هذا القديس الذي أصبح اسقفا لكانتربري عام 959م حدادا، ففي أحد الأيام
أتى اليه رجل وطلب منه ان يحدي له قدميه مما أثار الشك لدى دونستان، بأن السائل
هو الشيطان، خاصة وأن له اظلافا مشقوقة (الظلف المشقوق رمز للشيطان)، لذلك أوضح
له ان عليه ان يعلقه مقيدا الى الحائط ليستطيع انجاز العمل وعلى نحو متعمد، انجز دونستان
عمله، مكيلا العذاب والآلام للشيطان الأمر الذي جر الأخير الى توسل الرحمة، لكن دونستان
رفض تحريره قبل ان يعطيه قسما صادقا بأنه لن يدخل أبدا أي منزل وضعت حدوة حصان على بابه
منذ ظهور هذه القصة في القرن العاشر، لم يزل المسيحيون يستخدمون حدوة الحصان
ويضعونها فوق عتبة المنزل ثم وضعوها في منتصف الباب لتخدم وظيفة أخرى تتمثل في
دق الباب إضافة الى منعها للشيطان من دخول المنزل حسب اعتقادهم

ومن هنا ظهرت دقاقة الباب على شكل حدوة فرس كما لم ينس المسيحيون قديما
القديس دونستان، فاحتفلوا بعيده في التاسع عشر من مايو/أيار
من دون ان يغفلوا إدراج حدوة الحصان في ألعابهم

القوى السحرية

من جهتهم، عزا الاغريق القوى السحرية في الحدوة الى عوامل أخرى، فهم يعتقدون
ان الحدوة صنعت من الحديد لأنه يحوي قدرة لردع الشيطان، ويقولون إن الحدوة اخذت
شكل هلال القمر لأن الاغريق اعتبروا الهلال رمزا للخصب والحظ السعيد

وجاء الرومان بعد ذلك آخذين حدوة الحصان عن الاغريق معتبرين أنها ذات وظيفة مزدوجة
فهي تستخدم عندهم لحدي الخيول وردع الشيطان والارواح الشريرة، وانتقل اعتقاد الرومان
الوثنيين بخاصية الحدوة السحرية الى المسيحيين الذين اقاموا حولها قصة القديس دونستان

وفي القرون الوسطى، وعندما بلغ الخوف من السحر ذروته، أولى الناس الحدوة المزيد
من الاهتمام، فاعتقد أناس تلك الحقبة بأن الساحرات يسافرن على المكانس، لأنهن
يخشين الأحصنة وأي شيء يذكر بها، الأمر الذي جعل للحدوة قوة خطر على ابطال السحر

ومن هنا زاد اعتقاد الناس حول الحدوة فوضعوا على تابوت المرأة المتهمة بامتهان السحر
حدوة الحصان لتمنعها من الانبعاث من جديد، واعتقد صانعو الحدوات في روسيا، أنهم قادرون
على ممارسة السحر الابيض لمواجهة السحرة ولرعاية قسم الزواج وعقود العمل

إذ لم يكن ذلك القسم يؤدى طبقا لقواعد الانجيل، بل يؤدى على سندان الحداد
الذي عليه تصنع الحدوات، ولم يعلق الناس الحدوات هكذا بطريقة عشوائية، بل وفقا
لقاعدة ثابتة، تتمثل في جعل طرفيها الحدين للأعلى حفاظا على قدرتها لجلب الحظ

وربما كان ذلك مستوحى من الهلال القمري نفسه عندما يشرق من جهة الغرب
في أول الشهر، حيث يبدو طرفاه للأعلى، وكثير من الناس يتفاءلون خيرا عند رؤية الهلال
بهذا الشكل ولدى بزوغه من الغرب رقيقا

وقد بقيت حدوة الحصان رمزا للحظ الجيد بالجزر البريطانية حتى حلول القرن التاسع عشر

وتقول احدى الاغنيات الايرلندية الشائعة: “باسم الله يتمسمر الشيطان وتتقيد حركته”
وفي العام 1805 قابل الأميرال لورد هوراتيو نيلسون اعداءه في معركة ترافلفار أي الطرف الاغر
(رأس في اسبانيا يقع على الأطلسي شمال غرب مضيق جبل طارق، انتصر عنده
الأميرال نلسون على الاسطولين الفرنسي والاسباني عام 1805 وفيها لقي حتفه)

وعلى صاري السفينة فيكتوري، حدوة حصان لاعتقاده بخرافة الحدوة، وانتهى النصر العسكري
الذي اقيم له نصب في ساحة ترافلفار في لندن في عام 1849 وانتهى معه حلم نابليون
في غزو انجلترا، ويقال إن الحدوة حملت فيما يعتقد الحظ للشعب البريطاني
وسوء الحظ لنيلسون ذاته الذي خسر حياته في المعركة
والحدوة على هذا ما هي إلا رمز سحري، مرتبط بطلب العتاد والقوة الشيطانية، إذا فمن يعلق هذه التميمة فهو قد علق رمزا سحريا يستعان به في جلب إبليس وجنوده، بل ومد المستعيذ بالقوة والعتاد الشيطاني لحفظه من كذا وكذا، قال تعالى: (وانه كان رجال من الإنس يعوذن برجال من الجن فزاوهم رهقا)، إذا فهذه التميمة من جملة الاستعاذات بالجن، وطلب الحماية منهم.

وهناك قصة السامري لها ارتباط بالخيل، قال تعالى: (فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) ذكر ابن كثير في تفسيره فقال: (وقال مجاهد (فقبضت قبضة من أثر الرسول) قال من حافر فرس جبريل، قال والقبضة ملء الكف). والسامري هذا ما هو إلا ساحر، أخذ الحلي من القوم واخرج في المقابل عجلا جسدا له خوار، وقد استخدم أثر فرس جبريل عليه السلام في تنفيذ سحره كما بينت الآية، والأثر هذا كان مرتبطا أو عالقا بحافر الفرس أي بالحدوة المركبة في نهاية الحافر. لذلك تدخل الحدوة في تنفيذ الأسحار بشكل كبير، ربما كانت بداية الاهتمام بها وإدخالها في طقوس السحر من قصة السامري هذا، والله أعلم. هذه هي حقيقة العلاقة بين الرمز السحري والأسطورة، وبين تكليف الشياطين بالتوكل بتفيذ الغرض منها كطقس سحري.

نقلا عن مخطوط (عبادات بائدة وعادات سائدة) للكاتب: بهاء الدين شلبي

الكف والخمسة وخميسة

الكف والخمسة وخميسه

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

صار من الشائع والمألوف اليوم أن ترى تلك التميمة التي على شكل كف وقد دبجت ببعض الآيات القرآنية والمعوذات، وهى تصنع من خامات مختلفة مثل الذهب والفضة والنحاس والجلد المبطن بنشارة الخشب، وأحيانا على هيئة وحدة من الخزف تفوق في حجمها حجم الكف بمراحل، وأحيانا تتدلى من مصحف صغير جدًا موضوع في كيس من البلاستيك، ونجد بجوار الكف نماذج بلاستيكية قرن من الفلفل وسمكة وقبقاب، وقد دون عليها اسم (السيد البدوي)، وتنتشر هذه الأخيرة حول الأضرحة وتعلق في السيارات ولا مانع أن تجد هذه التميمة تتدلى على جبين الدواب والخيل والبغال والحمير وعلى صدور الأطفال أيضا، وعلى أبواب البيوت والحوانيت.

(وإذا عرف الأحياء قوة التمائم، كانوا يتزينون بها ويصنعونها على هيئة حلى، مثال ذلك الخرطوش الملكي، ووجه أحد الآلهة داخل صدرية كبيرة (درع Argis) والأزهار، والأصداف المأخوذة من البحر الأحمر، ولاسيما السيدات. وكانت صورة الإله بس Bes والربة تاورت تعاويذ واقية قوية. ولم تستعمل العين أوجات والقلب، والجعران، وعمود الجد، وغيرها للأغراض الجنائزية فقط بل كانوا يشفون المريض بأن يضعوا حول رقبته عقدة من نبات البوص أو عقدًا مضفورًا من البصل، وأحيانًا يصفون له علاجًا أغلى نفقة، عبارة عن 40 خرزة عادية، منها سبع خرزات من الحجر الأخضر وسبع أخرى من الذهب وكانوا يستعملون سبعة خيوط من التيل لضمان رفاهية الطفل المولود قبل أوانه).()

وبالطبع هم كانوا يعالجون أنفسهم بالطرق السابقة والشفاء بيد الله وحده (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 80].
(كما كان للألوان دورها التأثيري السحري للتمائم فاللون الأخضر لتمائم الصحة والشباب، والأزرق لمنع الحسد وطرد الأرواح الشريرة لذا كان الكف الحارس (الخمسة وخميسة) وأوزات العين المقدسة تصنع من القيشاني الأزرق اللامع أو حجر الفيروز واللازوردي، واللون الأبيض للطهارة والخلاص، واللون الأسود لجلب الحظ والخير، وللأحمر لتمائم الشر.. ويقوى تأثير التمائم إذ احتفظت بقوة الصيغ السحرية التي يتلوها صانعها أو يلقن حاملها كيفية تلاوتها ).()

وأحدث تقليعة لهذا الكف عبارة عن ملصق ملون يتوسطه صورة الشيخ (متولي الشعراوي) مرسوم عليه الكف مدبج بالآيات القرآنية وبالإضافة إلى (عين)، وكعادة السذج و البسطاء دائمًا يتهافتون على مثل تلك الملصقات لنيل بركة الشيخ واعتزازًا وتخليدًا لذكراه وتمسحًا به!!

وكثير من تجار العاديات والتحف يسعون إلى تحليل رزقهم، وتزيين بضاعتهم كي تروج ولو على حساب الدين وإكرام كتاب الله، فنجد أن تجارة تلك التمائم صار لها متاجر مخصوصة في الأحياء الراقية والفنادق الفخمة، ومن يوردون تلك التمائم هم خريجي الكليات الفنية، حيث يعمل هؤلاء الفنانين عن غير قصد على إحياء التراث الدجلي والسحري فيما يسمى (الفن الشعبي والفلكلور) دون إدراك منهم لتلك الصلة، ففي ظنهم أنهم يقدمون [فن حلال(!)] في مقابل الرزق، وهم بجهلهم بأصول الشرع لا يعلمون أنهم بذلك يحيون تراثا وثنيا يتعارض مع الدين، لأن الكثير منهم يفرون من حرمة التصوير إلى ما في ظنهم أنه فن إسلامي والإسلام منه براء، وكان الجدير بهم ابتكار فنون وطرز إسلامية مستحدثة تعبر عنهم وتمثل عصرهم بدون تقليد أعمى واجترار للماضي بما يحتويه من تناقضات، وإن الفنان المسلم ليمتلئ صدره بالقيم الجمالية التي يفتقدها غيره من العابثين بالفن وبقيمه الجمالية، وما يؤكد قولي ويعضده ذلك التراث الفني الذي خلفه لنا الفنان المسلم إبان حقب النهضة الإسلامية، بما يحمله من رقة وانسيابية في غلالة من الشفافية الممزوجة بروح البساطة الإسلامية الراقية.

فلقد درج الناس عندما ينحرون الذبائح، خاصة ما يقدم اتقاء لشر الجن ومن أجل إبطال السحر، وعلاج المس كما يطلقون عليها [مصالحة مع الجن]، أن يغمسوا أياديهم في الدماء، ثم يختمون بأيديهم علن الجدران والأبواب كعلامة يبقى أثرها لتدل على ذلك الذبح، وحتى يتعرف الجن على هذه العلامة التي تمت بمصالحه بين أصحاب البيت وعامريه من الجن، فيرجع عنهم ولا يتسلط عليهم بأذى، بل إن بعض الناس يقومون بذلك الفعل المشؤوم عند شراء سيارة جديد أو دار أو دكان وفى الافتتاح يقومون بما يسموه [تزفير] وهو الذبح على عتبة المكان أو أسفل السيارة، ثم الختم باليد المغموسة في الدماء على السيارة و البيوت أملا في رد كيد الحاسدين والعين والجن ولحل العكوسات، والحقيقة التي تخفى على هؤلاء أن الشيطان شغوف بالدماء فتجتمع الشياطين في المكان الذي يحمل هذه العلامة فيصير مسكنا لهم، لتنزع البركة من المكان.

(وارتبط أمر الكف والخمسة وخميسة بالوثنية والفلك والتنجيم من خلال (التقويم النيلي) ومنه انتقل ذلك الفكر الكهنوتي والتنجيمي إلينا. ومن مصر انتقل إلى أقطار عربية أخرى).()

(ومن الطرق التي كانت متبعة عند كهنة قدماء المصريين لمعرفة الطالع بواسطة تحديد وأطلقوا عليه نجم الإنسان بالنسبة للبرج الذي ينتمي إليه ما كان يطلق عليه (كف الطالع) أو (كف الوقاية) الذي يطلق عليه العامة حاليًا (خمسة وخميسة) كان يعلق على جبهة المولود أ وحول عنقه لحمايته من الحسد وطرد الأرواح الشريرة وقد وجدت كفوف منها ترجع إلى الأسرات القديمة وهى مصنوعة من الخزف الأزرق رسمت على أصابعها الخمسة رموز وطلاسم سحرية، وقد اكتشفت بترجمة إحداها أن الطلاسم ترمز إلى معبودات الزمن فالإصبع الأولى إله الساعة والثاني إله اليوم والثالث إله الشهر والرابع إله اليوم القمري والخامس إله السنة ويمز بطن الكف إلى البرج . . وهى الطلاسم السحرية التي كان يسجلها الكاهن على كف الحفظ أو لوحات التنبؤ التي تعلق فوق الصدر أو أحجبة الرعاية ليرجع إليها الكاهن عند قراءة الطالع أو التنبؤ بالمستقبل أو لوحات لتحديد الأيام السعيدة والأيام غير السعيدة خلال الشهر. فتلك الآلهة والمعبودات التي كانت ترسم على أصابع (الخمسة وخميسة) أو لوحات التنبؤ تعتبر بالنسبة للناس تعاويذ للحفظ وبالنسبة للكهنة مفتاحًا لقراءة الطالع ومعرفة الغيب).()

(وكانت السنة النيلية وفقا لذلك التقويم تتكون من اثنى عشر شهرًا بكل شهر ثلاثون يومًا، والسنة 360 يومًا، وقد لاحظ المصريون القدماء إن الفيضان يتخلف عن ميعاده خمسة أيام كل عام، وكان الفيضان لا يظهر إلا بعد أن يقدم كهنة معبد فيلة القديم القرابين والهدايا لإله النيل المقدس(. وقد ذكر المؤرخ سنيكا أن كهنة عين شمس كانوا أول من اكتشفوا أن بداية الفيضان تتفق مع إشراق نجم الشعرى أو (الشعرى اليمانية) الذي أطلقوا عليه اسم (سيدت Sothis) في معبد أون (معبد الشمس) مرة كل عام فاتخذوه بداية السنة الشمسية الشعرية وأنهم استفلوا معرفتهم بتلك الظاهرة الفلكية لإيهام الناس بأن النيل لا يفيض بخيراته إلا بعد أن يتقبل الإله دعواتهم ويحدد لهم ميعاد الفيضان ليعلنوه للناس، وقد قام كهنة معبد أون خلال الأسرة الثالثة بتصحيح السنة النيلية بإضافة خمسة أيام. وهى الأيام التي ولد فيها الآلهة الخمسة: (أوزوريس وإيزيس وست ونفتيس وحورس). وهكذا أصبحت السنة النيلية ابتداء من عام 2800ق.م، 365 يومًا، وقد نسب بعض المؤرخين ذلك التقويم إلى امحتب الحكيم ومهندس الملك زوسر. فأطلقوا على كل شهر من الأشهر الاثنى عشر اسم إله ومعبود أو مناسبة دينية، كما أطلقوا على أول كل شهر في ذلك التقويم الجديد اسم الإله تحوت (إله المعرفة) الذي أنزل عليهم ذلك التقويم الذي تشرف على دورته آلهة الفلك. ومازالت أسماء الشهور الفرعونية في التقويم النيلي تستعمل حتى الآن مع بعض التحريف في أسمائها وهو ما يطلق عليه بالنسبة القبطية التي تبدأ بشهر توت، وهو تحوت الفرعوني، كما أن الأيام الخمسة المنسية، أو أيام ال**هة الخمسة هي ما يطلق عليه في التقويم القبطي (بأيام النسيء).()

(فالخمسة رمز لكف التنجيم والطالع وحساب النجم والبرج من الأصابع الخمسة ودلالتها على (ساعة الميلاد) للإصبع البنصر، و(اليوم) الخنصر، و(الشهر) للإصبع الوسطى، (اليوم القمر) للإصبع السبابة، و(للسنة) للإصبع الإبهام. وأما الخميسة فرمز للآلهة الخمسة السابقة الذكر ويرمز لها بالإصبع الإبهام، بينما سائر الأشهر يرمز لها بعقل الأصابع الأخرى على توزيع الفصول والأشهر وتطور الفيضان تبعًا لخط أطراف الأصابع). ()

إذا فالخمسة وخميسة والكف رمز للتنجيم وقراءة الطالع بما يحتوية من التطير ورمز لدفع الأذى باليد، والخميسة هي تلك الخمسة **هة الوثنية، فلا يمكن للكف ولا الآلهة الفرعونية وأوثانهم أن تتنبأ بالغيب لتعلم المستقبل والماضي ولا يمكن لها أن تدفع عنا الشر أو تجلب لنا الخير، هذا ولا يزال مسلسل إحياء الوثنيات والسحر والدجل مستمرًا، ولازالت عقولنا تستجيب للخرافات وللشيطان وأعوانه من الإنس الذين يروجون للباطل، وعندما يتصدى القرآن لإثبات الحق وإبطال الباطل يخرج علينا ديايثة القرن العشرين بخستهم وفسقهم ليتنكروا للعلاج بالقرآن الكريم وكيف لا ينكرون العلاج بالقرآن الكريم وهم يتبرمون من الاعتراف بما أثبته القرآن من وجود الجن والسحر والمس، فمن الخطأ مناظرتهم على ذلك، ولكن المناظرة يجب أن تكون حول هل تؤمنون بما جاء في كتاب الله أم لا تؤمنون؟ فكيف نناظر على الفرع والأصل فيه غير مثبت عندهم؟!

نقلا عن مخطوط (عبادات بائدة وعادات سائدة) للكاتب: بهاء الدين شلبي

التلقي عن الجن بين المشروعية والقبول

التلقي عن الجن بين المشروعية والقبول

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

 

الجن هم مصدر المعلومات عن عالمهم بعد كتاب الله والسنة:
عالم الجن هذا عالم مكتنز بالأسرار والخبايا، وكل يوم يكشف لنا عالم الجن عن نفسه، وعما فيه من العجائب الجديد والجديد، حيث لا قدرة لنا على التواصل معهم إلا في إطار إمكان اتصالهم هم بنا تبعا لإرادتهم، أو وقوعهم في حالة ضعف بين تمكن لنا من اكتشاف الجديد عنهم، ومن جملة حالات الضعف التي يكون عليها الجن هي حالة حضوره متلبسا بجسد الإنسي، وعند نطق الجني على لسان المريض يمكن لنا في هذه الحالة الحصول على شيء من المعلومات الخاصة بعالمهم، هذا إذا علمنا أن الجني في حالة حضوره على جسم المريض ونطقه على لسانه يفقد ما يعادل 80 % من كامل قوته، ويصير في حالة ضعف بين، ويمكن التعامل معه والسيطرة عليه، وذلك بالتأثير المباشر فيه، بينما يتمتع بكامل قوته إذا تمثل الجني للمريض، فيراه المريض بينما لا يراه من حوله، ومن الممكن في هذه الحالة أن ينقل المريض للمعالج صورة كاملة عن كل ما يسمعه أو يراه عن عالم الجن، وهذه المعلومات عن عالم الجن هي التي تميز المعالج عن غيره من المتخصصين، وبالتالي فأي معلومات عن عالم الجن لا بد أن للمعالج مصدر ساق منه معلوماته هذه، إما استنباطا من كتاب الله والسنة، وإما حصل عليها نقلا عن الجن أنفسهم، ولا يملك أحد ان يزعم خلاف هذا.

ومن خلال هذا اللقاء الفريد بين عالم الإنس وعالم الجن نحصل على معلومات كثيرة جدا لا حصر لها، ولو قمنا بجمع تجارب المعالجين وخبراتهم عن احتكاكاتهم بعالم الجن لخرجنا بمجلدات حافلة بمعلومات هائلة عن هذا العالم الغيبي، والملاحظ في هذه المعلومات الرائعة أنه لم يرد بصددها ذكر في مصدري التشريع الإسلامي الكتاب والسنة، فهل نرفض هذه المعلومات التي بين أيدينا لعدم ورود نص صريح صحيح بها، هذا ما لم تتعارض مع نص صحيح ثابت شرعا؟ ولأن عالم الجن هو عالم غيبي فنحن نتعلق دائما بالدليل خشية أن نثبت عن هذا العالم ما لم يرد فيه نص أو ما يتعارض مع نص ثابت فنضل ونردى، فباب اكتشاف الجديد عن عالم الجن ما زال مفتوحا على مصراعيه.

أما الجديد الذي أود أن اطرحه هنا فهو موضوع غاية في الأهمية وهو موضوع (التلقي عن الجن)، و(الاطلاع على خصائص عالمهم)، هذا إذا علمنا أن هناك قنوات اتصال مفتوحة بيننا وبينهم تبعا لإرادتهم كجن لا تبعا لإرادتنا نحن كإنس، كالاتصال السمعي والبصري والحسي والمنامي، وهذا من منظور مشروعية التلقي عنهم في نطاق الاطلاع على خصائصهم وأسرار عالمهم الغامض، ومن جهة الحكم على المعلومات المتلقاة والمكتشفة عنهم، وقد تطرقنا فيما سبق لشرح قنوات الاتصال هذه بين عالمنا وعالمهم.

لذلك يجب أن ندرك وجود فارق بين الحكم بمشروعية تلقي العلم عن الجن، وبين الحكم بقبول العلم المنقول عن الجن وإخراجه إلى حيز التطبيق، فإن ثبت مشروعية تلقي العلم عنهم، إلا أن المعلومة في حد ذاتها تبقى خاضعة لضوابط معينة حتى يحكم بصحتها، ومن ثم تسويغها للعمل والانتفاع بها، فإن ثبت لنا مشروعية التلقي عن الجن فإن هذا لا يسوغ لنا قبول كل ما يصل عنهم باعتباره مسلمات وثوابت شرعية، فالثوابت الشرعية لم تأتي لنا بمجمل خصائص عالم الجن، ولكن الشرع كشف لنا طرفا من خصائص قدرات عالم الجن، ولأن الشرع لم يأتي ليتكلم عن عالم الجن فقط، فإن ما ورد من نصوص بخصوص الجن لم تكن نصوصا حصرية، بل نصوصا تشير إلى وجود فارق جوهري بين الثقلين، وبدون حصر لهذه الفوارق، لذلك يجب أن تخضع المعلومة المنقولة عن الجن للنقد والتمحيص، والتحليل والاختبار والتجريب حتى يثبت لنا صحتها، هذا بعد أن يتم عرض ما وصل إلينا من معلومات على الشرع فإن انتفى وجود نص مخالف لها من الشرع بدأنا في البحث تجريبيا عن مدى مطابقتها للواقع ومدى نفعها وجدواها، وهذا يخرجنا تماما من دائرة النزاع حول الخضم الهائل من التراث المنقول عن الجن، والذي زخرت بها كتب الدين والتاريخ والأساطير.

مشروعية الاطلاع على خصائص عالم الجن:
فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليلة لقاءه بالجن وأطلعهم على آثارهم وآثار نارهم، ولو كان الاطلاع على أمور الجن وخصائصهم محظور لما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، بل هذا شاهد على أن مطالعة أحوال عالم الجن وعجائبهم سنة صحيحة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك سنة عن نبي الله سليمان عليه السلام، ولو كان الأمر قد توقف عند خصائص النبوة والرسالة لما اكتشف عمر كما في الأثر بعضا من خصائص خلق الشياطين، وهذا يفيد أن اكتشاف الجديد عن عالمهم مستمر غير متوقف، وممكن غير محال.

عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال: فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: (أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن) قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم).()

وهذا عبد الله ابن مسعود اطلع على شيء من أمور الجن ليلة لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجن، وهذا إن دل فيدل على أن الأصل في الاطلاع على شؤون عالم الجن الإباحة وليس المنع، وإذا جاء المنع فلمقتضيات حسب ضوابط ومسوغات شرعية، كاطلاع السحرة إلى أسرار عالم الجن لتطويعها في صناعة السحر والإضرار بخلق الله إنسهم وجنهم، فهم يستعينون بخصائص قدرات عالم الجن الفائقة في إلحاق الأذى بالثقلين، إنس وجن على حد سواء، بينما المعالج الشرعي يستعين بما يضاد هذه الخصائص في رفع الأذى عن الإنس والجن على حد سواء، فعمار البيت من الجن المؤمنين يتعرضون للأذى كما يتعرض له عماره من الإنس، لذلك فدور المعالج متعدي إلى انقاذ عمار البيت من الجن أيضا من براثن السحر والشياطين، وذلك بالدعاء المنظم والعلم.

عن ابن مسعود قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة فأجلسه، ثم خط عليه خطًا، ثم قال: (لا تبرحن خطك، فإنه سينتهي إليك رجال، فلا تكلمهم فإنهم لا يكلمونك)، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي، إذ أتاني رجال كأنهم الزط، أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورة، ولا أرى قشرًا، وينتهون إلي ولا يجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءني وأنا جالس، فقال: (لقد أراني منذ الليلة)، ثم دخل علي في خطي، فتوسد فخذي، فرقد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوسد فخذي، إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إلي، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه تنامان، وقلبه يقظان، اضربوا له مثلاً، مثل سيد بنى قصرًا، ثم جعل مأدبة، فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه، أو قال: عذبه، ثم ارتفعوا، واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فقال: (سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هؤلاء؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوا؟)، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (المثل الذي ضربوا الرحمن تبارك وتعالى، بنى الجنة ودعا إليها عباده فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه أو عذبه).()

وفي الأثر أن عمر بن الخطاب سأل الشيطان عن صفة خلقهم فقال: إني لأراك ضئيلا شخيتًا، كأن ذريعتيك ذريعتا كلب، فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟ إذا يجوز البحث والتقصي عن خصائص عالم الجن، ولا حرمة في ذلك، خاصة لو كانت هذه المعلومات متعلقة بنقاط ضعفهم التي تعين المعالج في مواجهتم والتصدي لهم، فعن الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود لقي رجل من أصحاب محمد رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتًا، كأن ذريعتيك ذريعتا كلب، فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: لا والله، إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثانية، فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال: نعم، قال: تقرأ (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) قال: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبح، قال أبو محمد: الضئيل؛ الدقيق، والشخيت؛ المهزول، والضليع؛ جيد الأضلاع، والخبج؛ الريح.

تلقي العلم عن الجن:
هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء عن عام الجن أم ذكر بعض المعلومات، وسكت عن بعض؟ بكل تأكيد سكت عن بعض الأمور لم يذكرها، وهنا يتبادر سؤال مهم هل ما ذكره صلى الله عليه وسلم كان على سبيل المجاز أم الحصر؟ هو أوجز صلى الله عليه وسلم ولم يحصر، والإيجاز يتضمن إمكان وجود خصائص أخرى لم يرد ذكرها في الكتاب والسنة، والشاهد أننا كل يوم نكتشف أعاجيب جديدة عن عالم الجن، فهل ننكر ما اكتشفناه من أمور جديدة لعلة عدم ورود نص صريح بخصوصه؟

لو أن النبي صلى الله عليه وسلم حصر كل المعلومات عن عالم الجن لكان الجواب بعدم جواز الإقرار بأي جديد لم يرد في السنة، إذا فما لم يرد إلا على سبيل المجاز لا الحصر يفيد إمكانية اكتشاف الجديد، وإمكانية اكتشاف الجديد تضيف إلى العلم الجديد، وقد أمرنا بطلب العلم باعتبار طلب العلم فريضة، حتى الشيطان علم أبو هريرة شيئا من فضل آية الكرسي، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم صحة هذه المعلومة، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي المعلومة عن الشيطان، ولو كان الحصول على علم من الجن محرما لنهى النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة عن هذا، وسكوته عن تلقي العلم عن الشيطان يدخل في سنة الإقرار، ولكن بشروط وضوابط وليس على إطلاقه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال: فخليت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟) قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود)، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟) قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت ما هو قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: (ما هي؟)، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ) وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟)، قال: لا قال: (ذاك شيطان).()

خضوع المعلومات المنقولة عن الجن لضوابط الشرع والبحث والتجريب:
فأبو هريرة رضي الله عنه لما كان يحرس تمر المدينة التقى الشيطان ثلاث ليال، وفي كل ليلة يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخاطب شيطان، ولو كان مثل هذا اللقاء وتلك المواجهة محرم لمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولكن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يعد إقرارا بمشروعية التلقي عنهم، فقد قال أبو هريرة: (قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله) فقوله يعلمني تفيد التعلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم تمام العلم أنه شيطان قال: (ما هي؟)، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل (ما هي؟)، وهذا شاهد على جواز تلقي العلم عن الجن، بل وسؤالهم قياسا على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولكن بشرط عرض ما يتعلق بأمور الدين والعقيدة على الكتاب والسنة، أما الأمور المتعلقة بخصائص الجن وأحوالهم، فهي أمور ظنية احتمالية تثبت بالتجريب والمراس، كما ثبت لعمر ابن الخطاب في الأثر السابق.

ومن ضمن الضوابط ثبوت صحة المعلومة بالاختبار والتجريب، هذا إذا تم ثبات نتائجها رغم تغير الظروف والمناطات، إذا هنا سوف ننتقل إلى الكلام عن مسالة إمكان إخضاع المعلومة المنقولة عن الجن للبحث والتجريب من عدمه، فنطق الجن على لسان الإنس أمر مجمع عليه بين أهل العلم رغم عدم ثبوته بدليل نقلي صحيح صريح، ولكن ثبتت صحة وقوعه وإمكانه بالدليل العقلي لا النقلي من خلال البحث والتجريب، وإجماع العلماء هنا على ثبوت ما يتعلق بعالم الجن بالتجربة دليل على مشروعية إخضاع المعلومات المنقولة عن الجن للبحث والتجريب، وإلا لرفض العلماء الإقرار بنطق الجن على لسان الإنس لعدم ثبوته بنص شرعي عندهم، ولكنه ثبت لدي بنصوص سوف اسردها فيما بعد، عند حديثي عن قنوات الاتصال بين عالم الجن والإنس بإذن الله تعالى.

إذا يجب أن نفصل بين المعلومات المتلقاة عن الجن والمتعلقة بالعقيدة وبالثوابت الشرعية، وبين المعلومات التي لا تتعارض مع العقيدة ولا تمس الثوابت المجمع عليها، وسكت عنها الشرع، ولم يرد بشأنها نص، والمتعلقة بخصائص قدرات الجن، وكشف عالمهم الغريب عنا، خصوصا وانه ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الجن يعملون ضد الإنس بخصائص قدراتهم الفائقة، وأن هذه الخصائص تخضع للمؤثرات الطبيعية والمادية، فكلما عرفنا عنهم الكثير أمكن لنا التخلص من سيطرتهم علينا بتناول الأسباب الكونية الطبيعية المادية، وهذا ما يعطينا مشروعية التلقي في ضوء إمكان خضوع المعلومات للبحث والتجريب، ومن ثم تسويغها للعمل بها تطبيقيا في نطاق ما هو مشروع من صد عدوان الجن على الإنس.

فالخبرة أظهرت لنا كمعالجين أمورا كثيرة كانت غائبة عن إدراكنا كإنس، فيجتمع للمعالج ما لا يجتمع لغيره من الناس كم كبير من التجارب والخبرات، ولأنه المطلع الوحيد على هذه الخبرات والتجارب فمن المفترض أنه المطلع والحكم عليها، فحتما ولابد أن لا نقبل حكما على تجاربه ما لم يمتلك هذا المعالج ملكة الاجتهاد والبحث والتجريب، وإلا فقد يلتبس عليه بعض الأمور، فيفهمها على نحو يخالف حقيقة ما هي عليه في الأصل، فإن فقد المعالجون ملكة الاجتهاد هذه نقلوا لنا خبراتهم من وجهة نظرهم هم لا من وجهة مطابقتها للواقع، ثم بنوا على وجهات نظرهم الشخصية استنتاجات خاطئة تخالف واقع ما عليه عالم الجن، كل هذا في مجمله أدى إلى تخبطهم في منهج العلاج، فإذا فسدت النظرية ترتب على ذلك فساد النتائج، وبطلان التجريب.

 

الزار من حلقات الاتصال بالجن والشياطين

 
الــــــزار من حلقات الاتصال بالجن والشياطين

 

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

(يطلق على الزار أسماء تختلف باختلاف لهجات البلاد، فالزار مثلاً يعرف باسم (بورى) في نيجيريا وطرابلس، و(أموك) في الملايو، و(الزار) في مصر والحبشة والحجاز وعمان… إلخ، والاسم (زار) في بلاد الحبشة نفسها لا يرفع إلى أصل سامي، والراجح أن الكلمة مشتقة من اسم الإله الأعظم عند الكوشيين الوثنيين، ولقد غدا الإله الوثني القديم في الحبشة عفريتًا حقودًا (هكذا !!).. وانتقلت على هذا النحو الشعائر الخاصة بالأرواح الشريرة المزعومة، هذا ويعتقد المسلمون والمسيحيون في الحبشة أن الزار يعيش بصفة خاصة في الجداول والأنهار، وهو كائن شرير، كما يظنون، ومن الممكن طرده من الأجسام التي حل بها باستخدام التمائم والشعائر والطقوس الشافعة عند أتباع هذين الدينين.. إلخ). ( )

يعتبر الزار طقسًا تعبديًا، والمعبود فيها هو الجن المتلبس في جسد الممسوس أو المسحور، وذلك بالاستعاذة بهم، والتذلل لهم، بالسجود والركوع والذبح وبذل الطعام، والخمر، والمال، والعرض، في سبيل إرضاء الجن، حتى يكف عن ألاعيبه وصرعه للمصاب بالمس، وليته يكف عن ذلك، لكنه في نفس الوقت ليس علاجًا شافيًا من المس بقدر ما هو عامل مسكن للصرع حتى يتكرر الزار مرارًا وتكرارًا في سبيل إرضاء الجن والشياطين.

تسوق د. فاطمة المصري تعريفها فتقول: (لفظ الزار بما يعنيه من طقوس، لفظ أمهري معناه عند الأحباش شر ينزل بإنسان ما. ولا معنى لهذه الكلمة في اللغة العربية).( )

وتؤكد د.فاطمة المصري قائلة: (وبالاطلاع على كثير من الدراسات الأنثروبولوجية التي أجريت في الحبشة تقرر أن الزار أكثر انتشارًا بها مما هو في مصر في الوقت الحاضر بل إنه يوجد مركز رئيس للزار في الحبشة هو مدينة جوندار Gondar حيث يقيم كبار المعالجين على تلال تلك المدينة من حولهم بطاناتهم ومرضاهم المقربون، هؤلاء المعالجون هم أنفسهم ممن يتلبسون بالزار إلا أنهم وصلوا إلى مرحلة تجعل منهم معالجين).( )

فلا صلة بين منشأ الزار والإسلام كما يدعى بعضهم، وقد ألبس الأمر على كثير من الناس فحسبوا ما يزجه (الكوديات) من أذكار وبعض الآيات القرآنية والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا يدل على الصلة بين الزار والإسلام، ولكن منشأ الزار من الحبشة التي ينتشر فيها الوثنية والنصرانيه، كل ذلك يقطع الصلة بين الإسلام كدين سماوي وبين الزار الوثني من حيث النشأة، وما عليه الزار اليوم هو شكل متطور له نتج عن مزج الزار ببعض المظاهر الإسلامية، فيحسب الجاهل خطأ أن ثمة صلة بين الزار والإسلام البريء من تلك الصلة تمامًا.

(إن تحديد تاريخ دخول الزار في مصر بنحو ثلاثة أجيال هو أمر يدعم الرأي القائل أن ظاهرة الزار لم تنتشر في مصر إلا بعد الفتح السوداني أي بعد عام 1820م، فجيل الأجداد جاء بالظاهرة، ثم الأمهات قمن بتمصير الزار وتأسيسه، ثم الأحفاد الموجودون حاليًا، أي أن الفترة الممتدة من 1820 إلى 1990 هي الفترة التي استوعبت الأجيال الثلاثة هذا بالإضافة إلى ذلك الواقع الخاص بأن أصولهن من الحبشة والسودان، ثم الشواهد الأخرى من الأغاني والملابس والآلات الموسيقية).( )

إذا فالزار طقس وثنى دخيل على مصر فلم يكن معروفًا بشكله الحالي قبل أوائل القرن التاسع عشر، ويؤيد ذلك ما ذهب إليه د.محمد شفيق غربال من أن الزار (لم يدخل مصر إلا بعد فتح السودان أي بعد عام 1820م، وانتقل إلى مصر عن طريق الجنود الذين أحضرهم محمد على، ثم عن طريق الهجرات والرقيق).( )

وهذا يضيف إلى رصيد (محمد على) جريمة أخرى من الجرائم التي ارتكبها في عصره، فهو لم يكتف بمذبحة القلعة وقتل المسلمين بدون محاكمة، بل عمد إلى ذبح الدين والعقيدة بأن سمح لتلك الطقوس بأن تدخل مصر، وبدلا من أن يعمل على تصحيح عقيدة هؤلاء الوافدين تركهم يفسدون البقية الباقية من عقيدة المسلمين، وينشرون تلك الطقوس الوثنية بين المصريين حتى تفشت وصارت ظاهرة تنخر في عقول الأمة لا أستطيع أن أحصرها فقط بين العوام والسذج فقط بل بين الأوساط المثقفة والمتعلمة.

تقول سنوك في كتابها (مكة): ( ..إنه منذ وقت قصير أقيم حفل زار لإحدى الأميرات وهي ابنة الخديوي إسماعيل، وكانت سيدة عجوز مريضة، عالجها أطباء كثيرون، ولكن سيدات الحريم أقمن لها زار ظل قائمًا لمدة أسبوعين قبل وفاتها مباشرة، وقد حصلت على هذا التقرير من شاهد عيان تقول: في المساء حضرت ثلاث نساء وجواريهن، وأخلي الصالون من كل ما به من أثاث، وأجلست الأميرة المريضة في سريرها بالغرفة المجاورة متكئة على الوسائد، وأخذت الاستعدادات اليوم كله وأطلق البخور في كل غرفة من القصر، بينما منعوا الزوار من الخارج، وتجمع الخدم والجواري في الحريم ولم تحو الحجرة كرسيًا (كالمعتاد) بل موقدًا كبيرًا كان يحرق فيه البخور، وجلست الشيخات الثلاث في ملابسهن الحريرية الثقيلة ذات الألوان المختلفة، وقد اشترينها خصيصًا لهذه المناسبة بالذات، وعلى رؤوسهن طرابيش مغطاة بالذهب، فقد أخذن أكثر من مائة جنيه لهذه المناسبة. قمت النسوة الثلاث بالرقص بالتناوب نيابة عن المريضة، وأخذن يضربن طبولهن ويغنين بصوت غريب غير مفهوم، وبعد وقت قصير انحنت رئيستهن على النار وأخذت تتكلم بألفاظ غامضة في حين أن زميلتيها قربن سرير الأميرة من النار في وسط الحجرة ولمسن جسدها بخفة، وكذلك وجهها وذراعيها وظهرها، ثم أخذت الرئيسة تتكلم في صوت عميق مقلدة الرجال كزئير الأسد، وترجمت الكلمات العربية إلى التركية كي تفهمها الأميرة.

وكانت كما يلي: أنا زار، وقد تملكت الأميرة من 15 سنة، وأنا الآن أعلن نفسي، وسأترك الأميرة حتى تعود إليها صحتها. وانفردت سيدتان منهما معًا في الصالون المجاور تتحدثان سويًا لمدة وجيزة، ثم عادتا بعدها وصوتهم هادئ طبيعي كصوت النساء، مخالف لما كان عليه في البدء، ثم أعلن أن الروح قد خرجت وهنأن الأميرة ثم خلعن ملابسهن الحريرية وسقطن على الأبسطة في حالة عصبية تشنجية، بينما وقفت الحريم في خشوع، وقبل أن يغادرون القصر أخذت تتبرك بهن كل الجواري ضعيفات النية، فكانت النسوة تلمس جباههن وتدعو لهن بالخير والعافية.

لم يكن هناك ذبيحة أو كرسي في القصر، ولكن في المساء التالي خرجت من القصر إحدى صديقات الأميرة المقربات وجاريتها التي لم تخرج من الحريم منذ سنوات، ذهبتا ليحضرا الضحية في بيت الكودية أو إلى مكان آخر.

ولابد من أن نذكر أن الطبيب حينما حضر لعيادة المريضة في اليوم التالي وجدها أسوأ حالاً عن ذي قبل فسأل عن السبب ولكنه لم يتلق إجابة، وإحدى قريبات الأميرة المتعلمات بثقافة أوربية بكت كثيرًا أثناء هذه الاحتفالات، لأنها تألمت لحال الأميرة المسكينة التي لن يزيدها هذا البلاء إلا وبالاً، ولكنها ضعيفة الحيلة وسط جمع كبير).( )

(ولقد كان الشيخ (مهنى) أكبر وأشهر شيخ زار في القاهرة منذ ما يزيد على ثلاثين عاما في السيدة زينب، وكانت حضرته تغص بالمريدين بل وببعض نساء الطبقة الأرستقراطية من بقايا المجتمع الإقطاعي البائد).( )

الزار طقوس لعبادة الشيطان:
بدراستنا للتفاصيل الدقيقة للطقوس التعبدية التي تحدث في الزار، سنكتشف بما لا يدع مجالاً للشك تسرب تلك الطقوس إلى كثير من عاداتنا وتقاليدنا، بل وأحيانًا أخرى تتسرب تلك الأساليب إلى المعالجين، ومدى خطورة ذلك تكمن في أن الزار عند رواده يقوم على أسس ومعتقدات شركية تتعارض مع التوحيد، وتصرف عقائدهم إلى طاعة الجن والانصياع لأوامرهم وتحقيق رغباتهم كل ذلك يحدث اتقاء لشر الجن واستعاذة بهم خشية انتقامهم وغضبهم…! ولا نقصد مطلقًا من سرد تلك التفاصيل على هذا النحو من الدقة إشاعة الفاحشة، بقدر ما نقصد بيان التفاصيل التي من الواضح أن كثيرًا من المسلمين قد وقع فيها دون أن يدركوا تلك الصلة، هذا فضلاً عن المعالجين، ولا أرى أن ذلك قد حدث إلا نتيجة لشيوع الجهل بالمصدر الأصلي المرتبط بتلك العادات والتقاليد، وتبعا لضرورة الفصل بين الحق والباطل، (فمن لم يعرف الباطل وقع فيه)، لذلك وجب البيان والتوضيح لتجنبها عملا بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 55].

(الزار عند جماعته، واجب جبري لا إختيارى، كما يترتب على عدم إقامته إغضاب الجان الذين قد يؤذون العروسة (فعلاً) إذا منعت أو أوقفت هذه العادة فتتعرض حياتها وكيانها للأذى. كما أن الزار عند هذه الجماعة له دلالة خلقية فهو وفاء بالوعد الذي قطعته العروسة على نفسها لإقامة الزار في موعد سنوي كما تنص نصوص العقد الشفوي الذي تم بينها وبين الجان في حضور الشيخة وحضور الضيوف كشهود).( )

(يختلف حفل الزار من مكان إلى مكان، فهناك زار يقام في الجبل لأسياد الجبل، وهناك زار يقام في البحر (النيل) لأسياد البحر، وهناك زار البيوت لأسياد البيوت، والفيصل في إقامة هذا الزار أو ذاك يتوقف على نوع الأسياد الذين سوف يقام لهم الزار. كما أن الزار يختلف من طبقة اجتماعية إلى أخرى، فالزار يؤثر بشكل ملحوظ في شكل الإعداد للزار من نواح عديدة).( )

وإذا أضفنا إلى ما سبق قوة الجني المتلبس ونوعه وطلباته الخاصة، والأسباب التي قد أدت إلى تلبس الجن بالجسد، سنجد أن شكل الزار سيصير أكثر اختلافا حسب شروط الجن المتلبس في الجسد.

يقام زار الحضرة أسبوعيًا في يوم معين (الجمعة أو الاثنين) في أحد بيوت شيخات الزار. و(الحضرة) من الحضور، حضور الأسياد والمريدين، وهي تعتبر صلة قائمة بين المريدين والزار.. ).( )

فالزار ما هو إلا أحد أنواع جلسات استحضار الجن والشياطين، وطقوسه تعتمد على الاستجابة لمشيئة الجن وتحقيق رغباتهم. وهو نموذج يتطابق وما يعرف بجلسات (تحضير الأرواح)، وإن كان الفارق هو أن جلسات استحضار الأرواح متخصصة أكثر في استحضار القرائن، أما الزار فهو أعم وأشمل من ذلك، فيشمل التعامل مع عمار البيوت والقرائن وجملة الجن والشياطين. وهناك فارق آخر أن الزار يتضمن طقوسًا تعبدية صريحة، من عزف وغناء ورقص وإطلاق البخور، أما استحضار القرائن فهو ذو شعائر شمولية علمانية وإلحادية أحيانًا أخرى.

مما يعتبر صورة من صور العبادة لمخلوق هو من أحقر خلق الله عز وجل وأهونهم عليه، وهو يتجاوب معهم إثباتا لوجوده، واستعراضًا لانتصاره المبهر على بني آدم، لذلك سنجد تنوعًا عجيبًا من الطقوس حسب كل نوع من الجن، وحسب كل ملة من ملل الجن، وحسب ميول كل نوع منهم، فنجد أن مواعيد الزارات تتفاوت مدتها من نوع إلى آخر، قد تصل من نصف يوم إلى أسبوعين متواصلين، يهدر فيها أوقات العبادة والصلاة، وتنفق الأموال ببذخ في عبادة غير الله المتفرد وحده بأحقية العبادة.

هناك زار يطلق عليه (دقة نهار) يبدأ في الصباح حوالي الساعة، العاشرة أو الحادية عشر ويستمر حتى المغرب، ويلجأ إليه البعض كتصبيره، على حد تعبير العامة، إلى حلول المعاد السنوي للزار.. وهناك زار يطلق عليه (دقة ليل) وهذا النوع يبدأ بعد العشاء إلى طلوع الفجر، يتكون الزار من ثلاث فرق هي، وفقا للترتيب في الزار، فرقة (الصعيدي) و(السوداني) و(أبو الغيط). وكان هناك فرقة رابعة تسمى فرقة (الرنجو) نسبة إلى آلة (الرنجو) إلا أن هذه الفرقة انقرضت ومات كل عازفي آلة الرنجو).( )

وتلك الفرقة تسمى بالجوقة وتتكون من عدد من العازفين والمنشدين وكل فرقة له دقات تشتهر بها وتعتبر حكرًا عليها لا يجوز لغيرها دقها ومن أشهر دقات الفرقة الصعيدي دقة الصباح، مامات، ماما سلطان، ماما العجبان، روحى نجدى، شيدر، البودنفة. وأما (فرقة السوداني) فأشهر دقاتها: يادره، روكشى، الدير، الست الكبيرة، السلطان جادو، سليلة. أما أشهر دقات فرقة (أبو الغيط) الصلوات، السيد البدوي، عبد السلام يالخالي، السيدة زينب. مما يثبت أن الزار له طقوس خاصة ذات صفة تعبدية وليس كما يذهب البعض إلى القول بأنهم دجالين أو نصابين، فهذا فهم سقيم لحقيقة تلك الفرق والطقوس، وحقيقتهم أنهم عباد للجن والشياطين متسترين بستار الإسلام ولا يجدون من يستأصل شأفتهم ويقطع دابرهم، حتى نوقف ذلك المد الشيطاني في مجتمعنا المسلم.

شيوخ الزار ممسوسين من الجن:
وأشهر أنواع الزار، أي المألوف والاعتيادي، هو الذي يطلق عليه (يوم بليلة) وهو يبدأ مساء بعد المغرب ويظل قائما لليوم التالي حتى قبيل المغرب، وهذا هو الزار السنوي الذي يقام في موعد محدد سنويا. وهو الزار الأساسي بالنسبة إلى الأنواع الأخرى. وهناك زار نادر الحدوث، ويقام لمدة أسبوعين متواصلين، وهو يقام فقط لتنصيب الشيخة كشيخة زار، وتحضره أكبر شيخات الزار ذوات السمعة، جميعًا، وذلك لمنحها حزام الزار [عبارة عن شال أبيض من الحرير، تحزم به الشيخة الجديدة بمعرفة الشيخات الأقدم اللواتي يمنحنها الحزام، والمعنى الرمزي للحزام أن هذه السيدة أخذت العهد ونصبت شيخة] بعد أن يتأكدن من أن الشيخة الجديدة على علم كامل بالزار. وهى هنا تقسم اليمين على أن تحفظ أسرار الزار على أن تعمل دائمًا في طريق الخير.( )

وهكذا نجد أن من تقود الزار امرأة جاهلة بالدين والتوحيد والعقيدة، إن لم يكن رصيدها من الإسلام صفر، وينصبها شيخة بعض النسوة اللاتي لسن أقل منها جهلاً، حتى تكون وسيلة ربط بين عالم الإنس والجن، وعن طريق مثل تلك الشيخة هي وأمثالها من المعالجين إخوان الجن والشياطين، نجد إن الجن يبثون من خلالهم طقوسهم التعبدية الشركية التي تؤدى بالناس إلى جهنم وبئس المصير.

وعندما بدأ يأفل نجم الزار تسربت فئة من العاملين فيه لتعمل متسترة تحت مسمى العلاج بالقرآن الكريم، هذا بعد أن بدأت الأمة الإسلامية تسترد شيئًا من وعيها وإدراكها، كاستجابة فعلية لجهود العلماء والدعاة المخلصين، وهكذا انتقلت بعض ممارسات الزار و تسربت على يد بعض العاطلين فيه إلى بعض المعالجين المبتدئين، هذا بسبب عدم وجود ممارسة مطابقة تماما للشريعة الإسلامية سليمة في ظل تغييب شبه كامل لشريعة الإسلام، واستبدالها بقوانين وضعية علمانية لم تعد تحظى بقبول واحترام الأمة، عدا فئة من السماسرة المغرضين، الذين يجيدون التلاعب بصياغتها لصالحهم الخاص .

(لا تستطيع أي إنسانة أن تعمل شيخة زار بناء على رغبتها، ورغم أن الوراثة هي الصفة الغالبة في هذا العمل، إلا أنه يجب أن يتوفر للشيخة مقومات لعملها، أهم هذه المقومات هي أن يكون قد وقع لها حادث مس أو اتصال، والاتصال هنا يكون عن طريق الجان الذي يعقد معها العهد، والذي يتضمن شروطًا لا يمكن خرقها أو تجاوزها. كإباحة السر، ويعتبر إباحة السر هو أخطر ضرر يمكن أن يقع للشيخة، فهي تعاقب على هذا بأشكال مختلفة كأن تجن، أو تصاب بشلل، أو بخراب أبدى في بيتها وحياتها . . . كما يجب أن تتقن كافة أنواع العلاجات سواء المادية كالأعشاب والعطارة عمومًا، أو العلاجات الروحية مثل إبطال العمل، وعمل الطلاسم والتعاويذ والأحجبة وحفظ مئات الرقى لكل مرحلة في عملها وفى كل مناسبة).( )

كيف نسمح لجماعة من الملبوسين والشيطانيين أن يعالجوا مرضانا؟ حيث نجد بين ذلك الفريق من العاملين في الزار ما يسمى بـ (الأوديا) (وهى شخصية مخنثة ملبوسة بالجن. وربما تكون كلمة أمهرية مهاجرة مع الزار، فهي قريبة صوتيا من كلمة كوديا وشخصية (الأوديا) قد تكون فتاة مسترجلة، أو فتى مخنثًا، ودور (الأوديا) في الزار هو دور الخدمة، فإذا كانت فتاة، تقوم بإعداد الشاي وحمل صينية البخور للشيخة في أثناء عملية التبخير، كما تعد الفحم وتقوم بإشعال النار فيه لتسخين العدة (آلات الإيقاع)، وتقوم بأي شيء يطلب منها في حفل الزار. وهى عادة ما تكون ممسوسة، لها جنها الذي تسترضيه وهى تنزل حلبة التفقير إذا سمعت دقتها، و(التعكير) إذا هاجمها الأسياد وتغيرت حالتها النفسية إلى الأسوأ أي (تعكرت). وتهتم الشيخة بالأوديا، فهى الذراع الأيمن لها، وكاتمة أسرارها، وتقيم في منزل الشيخة، فهي خادمة في المنزل، ومساعدة في شئون الزار).( )

وإذا تعرفنا على طقوسهم من وجهة نظر محايدة سيتضح لنا بجلاء فحوى تلك الأسرار التي يصرون على كتمانها ويخشون من التصريح بها، ومدى خطورتها على المجتمع المسلم، من الناحية العقائدية والاجتماعية والسياسية. فليس من المعقول مطلقًا أن بعض الجنود والرقيق المستضعفين، يستطيعون نشر تلك الطقوس بين مجتمع مسلم ويجتاحونه بتلك الصورة المجحفة، فهذا مالا يصدقه عقل إلا أن يكون ورائهم يد أعانتهم ومكنت لهم تسعى لنشر السحر وعبادة الشيطان، حيث لا يمكن كما تبين لنا أن يمارس أي شخص طقوس الزار إلا أن يكون ذو صفات خاصة وخبيرًا بأساليبه وطقوسه المختلفة.

والتَفْقيِر أو التَفْئيِر مصدره (فَأَّرَ)، وهو لفظ عامي درج على المصريين استخدامه، ويطلقونه على الحالة التي تنتاب الإنسان عند الدخول في النوم حيث تميل رأسه على صدره، ثم يتنبه فجأة فيرفع رأسه، وهو نفس الأسلوب المتبع في الزار، فعندما تبدأ المريضة في الرقص تكرر حركات هز الرأس عن عمد منها، وتكرراها بنفس الطريقة السابقة في أثر بعضها البعض، إلى أن يستحوذ عليها الجن ويحضر عليها.

طقوس الزار:
(وتقوم الشيخة باستدراج الضحية سواء أكانت ممسوسة أو مسحورة أو تشكى من أي متاعب في حياتها حيث تفعل معها الآتي: تأخذ منها الأطر (الأثر) أي قطعة من ملابسها، وعند ما تنام الشيخة طاهرة، وعلى وضوء، وبعد قراءة بعض الأدعية، تضع (الأطر) تحت رأسها لأن الأحلام هي أحد أشكال الاتصال بالجان أو الأسياد، ثم تعرف الشيخة مشكلة المريضة وسر شكواها، وهذا ما يعرف بكشف (الأطر). وبعد أن تعرف الشيخة المشكلة تذهب إلى المريضة، وقد تكون في اليوم التالي أو في خلال أيام (اتفق على ثلاثة أيام) وفقا لما تم مع الأسياد ثم تصارحها بأسباب حالتها وما يجب أن تفعله حسب تعليمات وأوامر الأسياد، حتى يكون لها الشفاء بإذن الله).( )

إذا فالشيخة لا تبعث بجواسيسها وبصاصيها لتكشف أسرار الناس، ولكنها تعرف تلك الأسرار عن طريق المنامات والأحلام حيث يخبرها شيطانها بأسباب المشكلة ثم يملي الشروط والمطالب، ليبدأ عداد التنازلات في العمل، وإذا كان المريض يتنازل مرة فالشيخة قد تنازلت قبله آلاف المرات، بل بأغلى و بأعز مما يتنازل عنه الممسوسين وأصحاب الحالات، وإلا ما حصلت الكوديا على ذلك المنصب المتميز عند الجن، وهذا هو أسلوب السحرة وإخوان الجن والشياطين، إذا فالجريمة أكبر من مجرد النصب والدجل، حيث يصل جرمها إلى درجة الكفر البواح.

وأهم جزء في الزار هو (الكرسي) والكرسي هو مائدة مستديرة عليها صينية مغطاة بوشاح ويوضع عليها الفول السوداني والفيشار والحمص والبلح والحنة كما يوضع طبق به مصاغ العروسة، ثم يشد القماش من حواف المائدة إلى أعلى على شكل فانوس، ويعرف هذا باسم غطاء الكرسي ثم يوضع على فوهة الغطاء (عروسه لعبة) أو خبز وزبادي حسب نوع الجن المقام له الزار… فالكرسي هو المكان الذي يلتف حوله الجن، أي هو مركز تجمع الجن، وهو من ناحية أخرى الشاهد بين الجن وبين جمهور الحضور على ما سوف يحدث من عقد وصلح في الزار، وجمهور الزار يعتقد أن الجن يزور الكرسي ويشاهد الحفل، وهو يعامل في الزار كأنه مقام للجن، ويقدم الكرسي بهذا، رموزًا طبيعية سحرية لا يمكن الاستغناء عنها في طقس الزار.( )

وإذا كان الكرسي هو مركز تجمع الجن، فالساجد أمام الكرسي لن يكون ساجدًا لله مطلقا، ولكن سجوده للشيطان من دون الله صاحب الحق في ذلك كله، ولتلك العروسة التي توضع على فوهة الغطاء، حيث أن هذا السجود المنكر يتم فعلا للجن في الزار.

وأشهر دقة عندهم دقة (الست الكبيرة) ولهذه الدقة احترام خاص، فيجب ألا يتكلم أحد أثنائها. . وتبدأ هذه الدقة، بسجود العروسة، أو أي سيدة في الزار عليها (الست) على ملاءة بيضاء. وتغطى بملاءة سوداء. ثم يقوم أحد الفرقة السوداني بتلاوة:

(ذهب الشيطان.. حضر الرحمن بحق النبي عليه الصلاة والسلام.. توكلت على رب العالمين.. الفاتحة للنبي، أحباب النبي.. أزواج النبي.. ذرية النبي.. وكل من آمن بالنبي.. الهيكل الصمداني.. القنديل النوراني.. صاحب الإشارات والمعاني.. سيدي وأستاذي محيى الدين عبد القادر الكيلاني.. فاطمة النبوية.. عيشة التونسية.. رابعة العدوية.. سكرة صاحبة الشورة والمشورة.. سيدي عقبه فكاك العقدة.. المتولي يشيل حملتك ويولى.. بحق النبي.. أهل السماح.. كانوا ملاح.. يا بخت من قدر وعفا وكان له أجر عند الله.. هنا منذوه.. جبال منذوه.. ياريما.. كوليتا.. براكو.. سنجمى.. عوكشى .. حكيم باشا.. ياوره.. كاوره.. سركن دياه.. ديبا.. البنداري.. السلطان.. الدير.. الحبشي.. بنات المراغي.. بنات المكانجا.. جبلاوية.. حداوية.. كل (أحدا) باسمه.. جبة.. ومن جبى الجبة.. جبل عرفات.. جبل مناداة.. المدينة المنورة.. بيت الله السعيد.. الخضر والياس والمرسى (أبو العباس).. الأباصيري.. ياقوت العرش.. أبو دردار .. أبو حديد.. ساكن الصعيد.. لجل النبي.. الشفى.. والعفى.. بحق نبينا المصطفى.. يا أسيادي بلا أيادي بحق النبي الهادي.. اللي علينا عملناه واللي على الله ما يعتوله هم.. دستور على دستور.. أرضنا خضرها النبي.. صبحت تشلع نور.. دستور خلفا.. دستور نقبا.. دستور دراويش.. دستور يا أمة لا إله إلا الله.. محمد رسول الله.. ختما الفواتح بالنارين.. سيدنا الحسن وسيدنا الحسين.. والعاشق جمال النبي يصلى عليه.. بخور البرهان يرد الألوان.. ويرجع الشفا إلى مكانه بحق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام). ويؤدى هذا النص مع حركة المبخرة على رأس وكتفي العروسة وهى راكعة قبل السجود.( )

إذًا هناك ركوع و سجود فعلي للجن، والاستغاثة ببعض الجن، وبمشايخ الصوفية، وكل ذلك يحدث والمرأة راكعة ساجدة في حضور الرجال من [الفرقة السوداني] الذين ينظرون إلى أردافها و مفاتنها، والحياء يمنع أن نذكر ما قد يصل إليه الحد في ظل فقدان الممسوسة لوعيها و أحيانا لكامل إرادتها، خاصة إذا كانت المرأة تريد الإنجاب و ترغب في الذرية، حيث يمارس الزار غالبا في غياب محارم المرأة !!.

وجدير بالملاحظة ورود كلمات ذات طابع إسلامي، مثل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أسماء الله الحسنى وبعض الأسماء الإسلامية، مما يوحي للجاهل بحقيقتهم أن الزار من الإسلام أو على الأقل أنه لا تعارض بين الزار والدين الإسلامي، حيث أن ممارسته شائعة بين الصوفية.

ثم يبدأ بعد ذلك المغنى وعازف الطنبورة بغناء دور الست الكبيرة الذي يقول بعض مقاطعة: (ياهو يا لالي.. أول مابدينا.. ع النبي وصلينا.. حبوبه قومي صلى والصلاة خير من النوم).( )

لاحظ تكرار كلمة (ياهو) المستخدمة في الطرق الصوفية وعند الشيعة وعند اليهود لينضم الزار إلى تلك الحلقة السوداء من الوثنية وعبادة الشيطان، مهما تنوعت الأشكال فالشيطان يلعب دوره من الخلف وفي الخفاء دائمًا.

ومن أشهر أغاني الزار، دقة (ياوره بيه). وهذا الجن زير نساء الزار.. هذا الجن متلبس نساء كثيرات، يندر بل من المستحيل أن نجد زار بدون وجوده( ).. أشهر جن في الزار ويطلق عليه في الزار ملك العشاق). ( )

الزار واسترضاء الجن:
إن الزار في حقيقته محاولة من قبل الإنس لاسترضاء الجن، وفى نفس ذات الوقت هو فرصة عظيمة لاستماع الجن بفرض سيطرتهم وبسط هيمنتهم على الإنس، بل وإعلانا لانتصارهم عليهم، ويتضح لنا هذا من تتبعنا لأنواع الجن المختلفة في الزار وتنوع تعبيراتهم المختلفة عن زهوهم بالنصر. ففي حالة حضور الجن على الجسد، يبدأ الجن في استخدام الجسد كوسيلة [لتقبيل النساء الحاضرات ولمسهن في أماكن مختلفة]، مما يجعله مظهرًا شاذًا وصورة من صور السحاق، وتتنوع صور الشذوذ، لدرجة أن (تقفز العروسة وهى ممسكة بالصليب فقط في يدها في أثناء دقة الدير، أو بالاستعانة فقط بطربوش أحمر بدون شغل القصب عليه في دور دقة (ياوره) وهكذا). ( ).. (جادو)، وهو الذي يسكن الحمامات، فعندما يكون متلبسًا للعروسة، نجدها في أثناء (التفقير) في وضع السجود تدق بيدها اليمنى على الأرض ثم اليسرى بالتتابع، ثم تقوم بكنس المكان.. والجنة (روكشى) التي لا يتعدى عمرها في المعتقد الشعبي ست سنوات، تكون حركاتها في (التفقير) رقصا شرقيا أي هز بطن.. وهناك دقة (سليلة) وهى حركة تتمايل فيها العروسة يمينا وشمالاً وهى تنظر في أثناء وضع المكياج على وجهها، وهذه الدقة تدق للفتيات المفتونات بذاتهن.. وفى دقة الدير أو الخواجة النصراني يكون الجن قسًا، وتكون حركته في الزار من خلال مسكه صليبًا في يده يضعه في مواجهة وجوه المدعوين وهو يرتدى ملابس القساوسة.. ودقة العربي، (تفقر) عليها العروسة وهى قابضة بيدها على مقبض السيف حيث تلوح به العروسة في الهواء طوال (التفقير). ( )

(وهناك من السيدات والشيخات من يحرصن على الالتزام بالملابس في أبسط التفاصيل لاعتقادهن بأن بارتكاب أدنى خطأ قد يفسد العلاقة مع الجن، لذا يحرصن كل الحرص على تقديم كافة الطلبات التي كانت من شروط الجن، وفى حضور وشهادة الشيخة وجمهور الحاضرين).( )

أما بالنسبة للقرابين فتختلف من نوع جن إلى آخر، وكل جن حسب دينه وملته ومزاجه الخاص ولا مانع أن تقدم له الخمور، كل ملبوس ومريض حسب طاقته المادية، بدأ من البيرة وانتهاء بأغلى أنواع الخمور، ثم يوضع كله على البوفيه، وهو مائدة مستطيلة يوضع في ركن من أركان المكان عليه مفرش نظيف وعليه طلبات السيد المقام له الزار، فإذا كان الدير مثلا نجد على المائدة أنواعًا متعددة من الجبن والزيتون وزجاجات البيرة، فهذه طلبات الدير، وتعلق على الجدار عند البوفيه صورة .. العذراء و.. المسيح وماري جرجس، بالإضافة إلى الصلبان والشمع الأبيض المصلب.( )

وعجبًا لذلك الحرص الشديد على الالتزام بأوامر الجن، بينما نجد ذلك التفلت الرهيب من الالتزام بدين الله عز وجل! مع أن الناس لو توكلوا على رب العزة حق التوكل لكفاهم شر الإنس والجن ولكفاهم عذاب السعير، ولكنها عبادة الشيطان تمارس تحت ستار من كلمة التوحيد [ لا إله إلا الله محمد رسول الله]، ثم بعد ذلك يفعل كل نقيض لها، والاسم مسلمون والإسلام بريء منا براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام.

وتقوم النسوة برش الملح، ثم يقوم (السنجق) وهو (ريس) الجوقة السوداني والذي يعزف على آلة الطنبورة، يذبح ديك العتبة وهى عتبة بيت العروسة ثم يضع على جبينها نقطة دم الذبيحة، وتسمى (الفتوحات) وبعد أن (تقفز) العروسة مع الأفريقي والمنجور يبدأ دق الزار حسب أصول مرعية).( )

الزار والصلح مع الجن:
(والذبح شيء أساسي في الزار، وتختلف أنواع الذبائح باختلاف أنواع الجن وحسب الحالة الإقتصادية، ويوجد عند أصحاب الزار ما يعرف (بالماينجة) (في الغالب كلمة أمهرية هاجرت مع الزار، وهى مقبرة توجد في منزل الشيخة، يدفن فيها مخلفات الذبائح لكل زار أشرفت الشيخة على إقامته، ووجود الماينجة حاليًا أمر نادر نظرًا لضيق المساكن، ولأنه أمر لم يعد مستحبًا).( )

(وزار الجبل هو رحلة خلوية لا يختلف عن زار البحر إلا من ناحية المكان، فيكون في حي الإمام بجوار سيدي عقبة حيث يقام في حوش نجفة، وتزف العروسة إلى بئر وسط المقابر يطلقون عليه اسم الساقية وهى بئر عميقة تستخدم كما يتجه لإلقاء بقايا الذبيحة، ثم تأخذ العروسة بعد ذلك إلى مقام الست خضرة لعمل بعض الطقوس ثم العودة إلى حوش نجفة لاستكمال الزار).( )

وهناك بعد كل ذلك حوار بين الجان الذي يتحدث بلسان العروسة وبين الشيخة،.. ويتم الحوار الذي تعرف فيه الشيخة حالة العروسة وطلباته السرية وما يمرضها وفى حالة الذروة تثبت الشيخة عيناها في عين المريضة( ) وهى تلعب بالمبخرة حول رأسها وتدفع المريضة إلى الاعتراف بكل شيء).( )

ويحدث ذلك تمهيدًا للذبح وتنفيذًا لأوامر الجن (فإذا كان مثلا (ياوره) هو الجن الذي حل في جسد العروسة، فإنه يجب ذبح زوج حمام أحمر كجزء من طلباته، وتجلس العروسة في هذا المشهد على الأرض، في وضع الركوع، وأمامها المبخرة وتقوم الشيخة بتبخير زوج للحمام ثم تدور بهما حول العروسة قائلة: (بسم الله العلي العظيم، رب العرش الكريم، طايع له جميع العاصين السماح أهل السماح..كانوا ملاح.. إلخ). وفى أثناء الأداء تقوم الشيخة بوضع حمامة على كتف العروسة، والحمامة الأخرى على الكتف الآخر، ثم على رأس العروسة، بعدها تأخذ العروسة زوج الحمام لترقص به على دقة (ياورة) الذي أقيم الزار من أجله).( )

إلى أن تصل إلى حالة من الهدوء والسكينة، الأمر الذي يدل على وصول العروسة إلى عقد الصلح مع الجن.. ويتعهد الجن للشيخة في صوت مسموع، وفى حوار قصير، وهو حال في جسد العروسة، أي أن الذي يتحدث في هذه اللحظة ليست العروسة وإنما الجن الذي يشترط ويطلب طلبات محددة كأن تنام العروسة بمفردها يوم الخميس أو أي يوم آخر، وتقوم الشيخة بمساومة الجن والضغط عليه كأن تقول له مثلا: (أنها متزوجة ولا يصح هذا) ثم يقول الجن على لسان العروسة: إذن تدق لي الزار كل عام في يوم شم النسيم.( )

(وهكذا يتم الصلح والاتفاق بالعهد الذي تأخذه الشيخة على الجن وبشهادة الحضور وأهل الممسوسة. وفى فجر اليوم التالي، تقدم الذبائح بعد تبخيرها، وأحيانا (تقفز) العروسة معها.. ولا تشرب العروسة من دم الذبيحة، كان هذا يحدث في الماضي ولا يحدث الآن، بل يكتفي فقط بوضع نقطة دم على جبين العروسة وأحيانا يلطخ جلبابها الأبيض بالدم وهو ما يعرف في الزار بعملية (التزفير).( )

وإن العروسة في الزار يجب أن تأكل كبدة الذبيحة تأكيدًا للعهد الذي تأخذه على نفسها أمام أو في وجود الشيخة، كما أنها هي التي تفتتح أكل الذبيحة).( )

والحقيقة أن الذي يفتتح أكل الذبيحة هو الشيطان أو الجني المتلبس بالمريضة فهكذا يأكل الشيطان مما لم يذكر اسم الله عليه، إن تلك الطقوس التعبدية، بما تحمله من ولاء للشيطان وانقياد له كل ذلك يعد منكرًا من جهة الشرع بلا خلاف، ولكن لا نستطيع رميهم بالدجل من جهة حضور الجن وحصول المس وتسلط الشيطان على الإنسان، ولا يصح أن نعمم صفة الدجل على حقيقة وجود الجن مستندين في ذلك إلى تلك الطقوس التعبدية، وإلا فمن أوحى إلى الخيال الشعبي تلك الطقوس بشروط محددة ودقات الزار بنغمة معينة؟ أليس كائن آخر غير الإنسان ألا وهو الشيطان؟‍!

فمن الخطأ أن ننكر وجود الجن وحصول المس تبعًا لإنكارنا الوسيلة التي يتعامل بها هذا الصنف من السحرة وإخوان الجن الشياطين، طالما أن الأصل في إثبات ذلك كله هو كتاب الله، هذا إذا لم يخالفنا المعارضون في الاحتكام إلى كتاب الله والسنة.

أما إذا خالفونا في قبول الاحتكام إلى الكتاب والسنة، إذًا فالقضية التي يجب أن نتجاور فيها أولاً هي قضية الإيمان بالكتاب والسنة، ومن الخطأ الجسيم أن يجرنا هؤلاء العلمانيون إلى المناظرة في حلقة مفرغة لن نصل في نهايتها إلى نقطة بداية والنتيجة أننا سنضطر للدفاع عن أنفسنا بدلاً من أن نتخذ الهجوم وسيلة للدفاع.

مختصرات منقولة من مخطوط (الدخان الأسود) للكاتب: بهاء الدين شلبي

 

الفولكلور والطقوس السحرية

 
الفولكلور والطقوس السحرية

 

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

(والفولكلور (Folklore)( ) اصطلاح ظهر في أوربا في منتصف القرن الميلادي الماضي ليدل على الدراسات التاريخية التي تتصل بعادات الشعوب وتقاليدهم وطقوسهم وخرافاتهم وأساطيرهم ومعتقداتهم وفنونهم وما يجرى على ألسنتهم من أغان أو أمثال أو شتائم أو مراث أو أهازيج. يدرى ذلك كله من خلا الآثار والعاديات، كما تستقصي أثاره الباقية في الجماعات البشرية المعاصرة. وقد انصرفت هذه الدراسة في أكثر الأحيان إلى المجتمعات المتخلفة وإلى المستعمرات. بقصد التعمق في تحليل نفوس أصحابها وإدراك دوافعها ونوازعها، وفهم ما ينتظم عواطفها وتفكيرها من منطق، بغية الوصول إلى أمثل الطرق وأحذق الخطط للتمكن منهم واستغلالهم واستدامة عبوديتهم [كذلك نشأت هذه الدراسات في أول أمرها، وإن كان هذا لا يمنع من أنها قد امتدت في السنوات الأخيرة إلى دراسة المجتمع الأوربي في مختلف البلدان والبيئات]). ( )

الفولكلور: يتألف اصطلاح Folk-Lore من مقطعين: Folk معنى الناس هي من الكلمة الإنجليزية القديمة Folc. و Lore بمعنى معرفة أو حكمة، فالفولكلور حرفيا تساوى (معارف الناس)، أو حكمة الشعب، وعلى الرغم من أن توفر هو الذي ابتدع هذا الاصطلاح، فالعلماء يرجحون أن الاصطلاح ترجمة للكلمة الألمانية (فولكسكنده) Volkskunde التي كانت موجودة منذ عام 1806م، أو نحو ذلك التاريخ. (العنتيل د. فوزي [الفولكلور ما هو؟] دار المسيرة ـ بيروت). صفحة (15).
(ويرتبط اصطلاح الفولكلور Folklore من الناحية التاريخية، ومن ناحية ابتداعه بوليم جون تومز W.J.Thoms، وبجمعية الفولكلور الإنجليزية. فتومز هو أول من صاغ هذا الاصطلاح، وجمعية الفولكلور الإنجليزية هي التي أكدت هذا الاصطلاح عندما تأسست في لندن سنة 1877م).( )

وقد وصف التقرير الأول لمجلس الجمعية وظيفة الجمعية ومجال عملها في العبارة التالية: (إن الفولكلور يمكن أن يطلق على ما يشمل جميع ثقافة الشعب) التي لا تدخل في نطاق الدين الرسمي، ولا التاريخ. ولكن تنمو دائما بصورة ذاتية؛ وعلى هذا، فإن ما في الحضارة من (الموروثات الفولكلورية الباقية)، وكذلك (مظاهر الفولكلور لدى القبائل الهمجية (البدائية) ينتمي كلاهما إلى التاريخ البدائي للنوع الإنساني. وعند جمع وطبع هذه المخلفات أو الزخائر (palics) الخاصة بعصر من العصور، من مثل هذين المصدرين المختلفين اختلافًا كبيرًا، فإن الجمعية ستأخذ على عاتقها تقديم، ما تدعو الحاجة إليه من المقارنات والتفسيرات التي تخدم عالم الانثروبولوجيا بشكل واضح).( )

إذا فإن كثير من الفولكلور الذي نمارسه اليوم، ما هو إلا مخلفات الحضارات الوثنية، وتلك الجهالات التي نمت في العصور الجاهلية، والتي تسربت إلى المجتمعات النائية في الظلام بعيدا عن نور العلم الشرعي، إذا فهي بعيدة الصلة عن الدين والشرع، بل إن الدين يحذر أشد التحذير من العودة إليها، والاحتكام إليها وقد أنزل الله في كتابه العزيز ما يكشف حقيقة تلك الضلالات، لذلك يجب الرجوع عنها جملة وتفصيلا وإلا ظللنا ندور في فلكها دون أن نهتدي، وهذا هو حقيقة التيه الذي نحياه الآن في عصر ملئ بالتقنيات الحديثه في مقابل السحر والدجل والخرافات والجاهلية قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَّاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50].

ومن هذا يبدو لنا أن الفولكلور ليس علمًا مستقلاً بذاته، ولكنه نشأ كفرع من علم الأنثروبولوجيا (Anthropolgy) أي علم الإنسان وهو يدرس كل ما يختص بالإنسان من الناحية الطبيعية والثقافية والاجتماعية والسلالية وعلى غرار هذه الفروع عرف الفولكلور كفرع من علم الأنثروبولوجيا، ولاضرر أن نعرف ونكتشف أصول عاداتنا وتقاليدنا لنميز الخبيث منها فنجتثه من بيننا، وما يرتبط بأصول ديننا الحنيف ولا يخالفه فلا بأس به، أما الفولكلور بمعنى إحياء تلك الوثنيات والتشجيع على ازدهارها فهذا خطر داهم، خاصة وأن هذا الموروث مازال قابعا بين الأميين عامة، هذا بخلاف أثر الفولكلور المنتشر الآن بين الفئات المثقفة تحت مسمى الفن والأدب والرقص والغناء. ويشير (كراث G.Kurath ) إلى أن أضيق تعريف للفولكلور هو القول بأنه ينحصر في البقايا الباهتة للطقوس الدينية القديمة التي ما تزال لاصقة بحياة الأميين الريفيين).( )

هذه الموروثات كما تبين لنا كانت أن الأصل فيها عبادات وعقائد وثنية، ولا تنفصل بحال عن صلتها بعبادة الشيطان من خلال الطقوس السحرية والكهانة وعموم الشرك بالله.

يقول شيخنا محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى: ومما يجب التنبه له، أن ما ثبت كونه وسيلة كونية، فإنه يكفى في إباحته والأخذ به، أن لا يكون في الشرع النهى عنه، وفى مثله يقول الفقهاء: الأصل في الأشياء الإباحة. وأما الوسائل الشرعية، فلا يكفى في جواز الأخذ بها، أن الشارع الحكيم لم ينه عنها، كما يتوهمه الكثيرون بل لا بد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزم مشروعيتها واستحبابها، لأن الاستحباب شيء زائد عن الإباحة، فإنه مما يتقرب إلى الله تعالى، والقربات لا تثبت بمجرد عدم ورود النهى عنها، ومن هنا قال بعض السلف: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها)، وهذا مستفاد من أحاديث النهى عن الابتداع في الدين وهى معروفة، ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( الأصل في العبادات المنع إلا لنص، وفى العادات الإباحة إلا لنص ). فاحفظ هذا فإنه هام جداُ يساعدك على استبصار الحق فيما اختلف فيه الناس. ( )

الصوفية وكر للخرافات والدجل:
والتصوف (في حقيقة أمره هو منهج في السلوك يقود الإنسان في الترقي من الشهوانية إلى الربانية، وليس نظرية في المعرفة. وقد ظل على صورته الصحيحة منهجًا في السلوك الإسلامي في صدر الإسلام، وهو ما كان يسمى بالزهد. ثم اعتراه الفساد منذ أصبح نظرية في المعرفة، فاختلط فيه الحق بالباطل والأصيل بالدخيل، والصحيح بالظنون والأوهام. والصحافة المعاصرة في البلاد الإسلامية تطلق اسم التصوف على أشياء هي أبعد ما تكون عن الإسلام، مثل تحضير الأرواح والدعوة إلى توحيد الأديان وكثير من أشكال التحررية الليبرالية التي تدعى أنها تتمسك بلب الدين وحقيقته مما تسميه (الباطن)، دون مظاهره وأشكاله مما تزعمه (الظاهر).( )

إلا أن الصوفية كانت ولا زالت وكرًا يؤوى السحر والخرافات والدجل والأساطير، ويحدث ذلك كله تحت ستار الإسلام والدين، ومحور تلك الأساطير يدور حول الأولياء وكراماتهم التي تخرق العادات، حتى ترسخ عند الناس شرك الاعتقاد في الناسوت حتى رفعوهم إلى درجة اللاهوت، والناس بجهلهم لا يدركون خطورة تلك النقلة التي تهوي بهم من درجات الإيمان إلى دركات الشرك والوثنية وعبادة الشيطان، وقد فتح ذلك الباب للدجالين والمدعين أن يخدعوا الناس ويستخفونهم، فلا زلنا نرى تلك النظرة البلهاء في أعين بعض الناس عند رؤية رجل صالح وكأنه يعلم الغيب، أو يملك قدرات أن يكشف ما في قلوب الناس، ولا مانع أن يكون ذلك الرجل لا صلة له بالدين إلا من الظاهر، ولكن الأصل عندهم نيل البركة، ومشاهدة الخوارق المبهرة، وهذا ما يجعلهم يغضون الطرف عن فسوقه وزندقته.

والمتتبع لتاريخ الطرق الصوفية يكتشف صلتها بإيواء كل بدعة وسحر وخرافة، وأنه كان هناك دائمًا مرتزقة ينتفعون من جراء ممارستهم للسحر، وتحت مسمى الكرامات، كاللعب بالحيات، وأكل الفحم الملتهب، وضري أجسادهم بالسيف والشيش، وأكل الزجاج، وغير ذلك من الفوائق المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسحر. فالمستشرق الهولندي فريد دي يونج في كتابه (تاريخ الطرق الصوفية في مصر في القرن التاسع عشر)، والذي قام بتأليفه في الفترة من 1969 حتى 1973، وقد استعان في تأليف كتابه برؤساء الطرق الصوفية في مصر وأعضائها، وما حصل منهم على مطبوعات بالإضافة إلى المصادر أخرى( ) نجده يقول: (وكان محمد أفندي يس (رئيس الطريقة الرفاعية)، والذي كان يشغل في نفس الوقت منصب شهبندر التجار، قد منح هذه السلطة بمعرفة محمد علي، مع إلزامه بجمع (الفردة) من الأكروبات والمشعوذين والمشتغلين بالسحر، (حيث كان العديد منهم أعضاء في الطريقة الرفاعية)، وكان قد تعذر جمع (الفردة) من هؤلاء الناس، بسبب عدم انتظامهم في نقابات مهنية).( )

وكما تنسج العناكب وتعشش حول الأماكن الخربة، كذلك تعشش الخرافات في العقول الخربة من التوحيد المبني على أساس من العلم الشرعي، مهما بلغ أصحاب تلك العقول من علو المناصب والوجاهة والرئاسة، وسمت هؤلاء الاجتماع حول المعاصي بعدئذ زينها لهم الشيطان فيحسبون أنهم مهتدون وبالحق متمسكون، ومعتقدهم الفاسد أنهم ما داموا قد نطقوا بالشهادتين ظنوا بذلك أن لا تثريب عليهم، فيكتفون بمجرد الألفاظ دون إدراك معانيها ودلالاتها والعمل بمقتضياتها، وهكذا ركن الناس كما صار شائعًا إلى تحكيم عقولهم واتباع أهوائهم، وهجروا طلب العلم الشرعي، فأوردوا أنفسهم المهالك، وشربت عقولهم الجافة والخاوية كل الجهالات والضلالات، حيث لا يقف على بوابات عقولهم ذلك الحارس الأمين الذي يبين لهم العدو من الحبيب والنافع من الضار من تلك المعتقدات الداخلة إليهم، ألا وهو كتاب الله وشرعته.

فصارت كلمة التوحيد في عقول الناس جوفاء تفتقد إلى تماسك قوامها العقائدي ووحدة تركيب دلالات معانيها، ومن وراء ذلك كله انتشر الاعتقاد الفاسد في الصالحين ولجأ الناس إلى البديل للمعجزات والكرامات والمدد الرباني، ألا وهو السحر والدجل، إذًا فلا عجب أن ينتشر المس وأن تتسلط الجن والشياطين على أبدان خاوية من التوحيد الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجميع الأنبياء من قبله. ومن العجيب ما نسمعه من أذكار يرددها المتصوفة وأصحاب الطرق المزعومة، فلا نجد لها معنى ولا مدلول شرعى، فهى أشبه بالطلاسم وما يردده السحرة لاسترضاء الشيطان والتقرب إليه فنجد على سبيل المثال أذكار إبراهيم الدسوقي تقول:

(لَوُوا عما نووا، ثم لووا عما نووا، فعموا وصموا عما نووا، فوقع القول عليهم بما ظلموا.. بأسمائك يا رب العالمين بالسماوات القائمات.. بمواقف الأملاك في مجارى الأفلاك بالكرسي البسيط. بالعرش المحيط بغاية الغايات بمواضع الإشارات.. اللهم آمنا من كل خوف وهم وغم وكرب كدٍ كدٍ، كَرْدَدٍ كَرْدَدٍ، كَرْدَهٍ كَرْدهٍ، دهٍ دهٍ، دهٍ دهٍ. يا هو ياهو يا غوثاه. يا من ليس للراجي سواه.. تقبل ربنا منا دعانا وَكِدْ من كادنا وعظم بلاه. وشل لسانه واقطع حشاه، ياهو ياهو ياهو آمين أجب يادهييائيل وياميهييائيل وياعطفيائيل. تَدَكْدَكَت الجبال بكهيعص بها بها بها، بَهْيا بَهْيا، بَهْيا، بَهْياتٍ بهيا سقفاطيس سقاطيم أحوف قاف أدُمَّ حمَّ هاء آمين. بلجام القدرة حميثا أطمى طميثا وكان الله قويًا عزيزًا.. إلخ.( )

من هم (هييائيل وميهييائيل وعطفيائيل) ترى هل هي أسماء ملائكة؟ أم تراهم وزراء إبليس وأعوانه؟ عمومًا لم يرد نص بتلك الأسماء، وهى أسماء ليست من اللغة العربية والراجح عندي أنها شبيهة بأسماء الشياطين المتداولة في كتب السحر، ولا مانع مطلقا أن تكون ألقاب لإبليس، أو أسماء وزرائه وأعوانه حيث تستخدم هذه الألفاظ وأمثالها في الاقتسام والتعزيم المتداول في طقوس السحر، والله أعلم. وما سر تلك الطلاسم (سقفاطيس سقاطيم أحوف)؟! أعتقد ليس من الحكمة في شيء أن نرهق عقولنا في تفسيرها، وعسى أن يكون الجهل بمعناها واجتنابها أفضل من معرفة معناها لربما يخدش صفاء التوحيد ونقاء العقيدة. وهل كلمة (ياهو) لها معنى أم أنها تقليد لنباح الكلاب؟ وإن كانوا يدعون الله، فهل يجوز أن ندعوا الله بأسماء لم ترد ضمن أسماء الله الحسنى؟!!

وبعد هذه الحقائق والتساؤلات لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الخطير الذي تلعبه مثل هذه الفرق الضالة في تدمير عقيدة المسلمين، وخير شاهد تلك الحشود الهائلة التي تطوف حول الأضرحة والمقامات، وما يبثه الإعلام من احتفالاتهم التي تعد اعترافا ضمنيا بهذه الفرق وإقرارهم على ما هم فيه من ضلال. ( قال خليفة السيد البدوي في الاحتفال بمولد السيد البدوي لعام 1991م (إن السيد البدوي موجود معك أينما كنت. ولو استغثت به في شدتك وقلت: يا بدوي مدد لأعانك وأغاثك). قال ذلك في الجموع المحتشدة بسرادق وزارة الأوقاف في الليلة الكبيرة لمولد البدوي أمام الحاضرين من العلماء والوزراء، وقد تناقلته الإذاعات وشاشات التلفاز، ورغم هذا لم يتحرك أحد للرد على هذه الأباطيل التي تزلزل العقيدة، باستثناء القليل.. ). ( )

حقيقة السيد البدوي:
ومن التناقض استبدال تدريس سيرة أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها بسيرة (السيد البدوي) فمن هو السيد البدوى؟ وماهي حقيقة ما يثار حوله من أساطير؟ وهل هو حقًا صاحب كرامات وخوارق كما هو شائع بين الناس؟! فهو ( أحمد بن على بن إبراهيم بن محمد البدوي، شيعي باطني، ولد بمدينة (فاس) بالمغرب عام (596هـ-1200م) وتوفى عام (675هـ – 1276م)).( ) ظل البدوي عزبا بدون زواج طوال حياته، فبعد أن توفى والده سنة (627هـ) عرض عليه أخوه الأكبر (حسن) أن يزوجه فرفض قائلا: (يا أخي، تأمرني بالزواج وأنا موعود من ربى أن لا أتزوج إلا من الحور العين الحسان).( )
ويرى بعض الباحثين أن العلويين (الشيعة) هم الذين أرسلوا (أحمد البدوي) لنشر دعوتهم بمصر؛ لإرجاع الملك الفاطمي.. وفي (طنطا) سكن (البدوي) سطح دار (ركن الدين)، وكانت قريبة من (مسجد البوصة) الذي يعرف الآن بمسجد (البهي) وحرص على الصراخ من فوق السطح ليعلم الجميع بجذبته، يقول (عبد الصمد زين الدين الحمدي): (وأقام على سطح الدار لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا، وإذا عرض له لحال يصيح صياحًا متصلاً، وتزىَّ (أحمد البدوي) بزي المجاذيب وظل ضاربًا اللثامين على وجهه: (وكان إذا لبس ثوبًا أو عمامة لا يخلعها لِغَسل حتى تذوب، فيبدلونها له بغيرها).. وقد ادعوا انه كان يضع اللثامين على وجهه يستر بهما الأنوار الربانية والتجليات الإلهية التي كانت تنطبع على محياة بسبب كثرة تطلعه إلى السماء، وبسبب وصله صيام النهار وقيام الليل.( )

ولم يبنى مسجد (البدوي) في حياته فهو لم يكن حريصا على صلاة الجماعة ولا الجمعة ولكن الذي بناه هو (عبد العال) خليفته، وقد كان المسجد في البداية على شكل خلوة بجانب قبره، ثم تحولت إلى زاوية جعلها (عبد العال) مهبط المريدين، ثم صارت الزاوية مسجدًا ضخمًا بواسطة: (على بك الكبير) سنة (1182-1186هـ) الذي بنى المسجد والقباب ومقصورة من النحاس حول الضريح وأوقف أوقافا؛ للإنفاق على المسجد، كل هذا في الفترة التي انفصل فيها (على بك الكبير) عن دولة الخلافة العثمانية.( )

ولقد بدأت الشيعة كجماعة سياسية تشايع (على ابن أبى طالب)، رضى الله عنه، ونادت بأن تكون الخلافة من حق (على) وحده، ولآل بيته من بعده. وأول من نادى بذلك (عبد الله بن سبأ) اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، وأخذ يدس في الشريعة ما يعكر تعاليم الإسلام الصافية، ويخدع البسطاء، كما بث سموم الفتنة بين المسلمين في عهد عثمان، وكان ذلك عقب انتشار الفتوحات الإسلامية الكبرى في عهد (أبى بكر) و(عمر) رضى الله عنهما، حيث احترقت قلوب اليهود غيظًا لانتصار الإسلام وفتوحاته.( )

 

possession فن التمثيل والمس الشيطاني

 
  Possessionفن التمثيل والمس الشيطاني

 

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

ومن أكثر الفئات التي نرى وقد استشرى فيها المس والسحر هي فئة الفنانين خاصة (فن الآداء والتمثيل)، وهذا ملاحظ في شغف أكثرهم بتتبع أخبار الطالع، وفى كثرة ترددهم على حلقات الزار والدجالين والسحرة، وأخيرا المعالجين لكي يتخلصوا مما ألم بهم من المس والسحر.

وإني أرى من واجبي نحوهم أن أثير فيهم غريزة حب الله، كما أثاروا فينا غريزة حب الجنس والشهوات، وأن يشاركونا تذوق حلاوة الإيمان، كما شاركناهم تذوق حلاوة نكاتهم وخفة ظلهم، فهم في الماضي والحاضر قد أسعدوا الكثير بفنهم، ولكن سعادة الإيمان بالله والتلذذ بحبه تعالى، شتان بين ما قدموه لنا، وما نحاول تقديمه لهم الآن، لذلك فهذه المقالة هي محاولة لفتح باب للتحاور معهم لا للهجوم عليهم، لأنهم في الواقع فئة ذاقت تسلط الشيطان وعدم راحة البال، بهرتهم أضواء الشهرة، وغرهم بريق الذهب، فلم يجنوا من ذلك إلا الأهوال، فمعيشتهم ضنكًا وكدًا وأموالهم كما جاءت هينة ذهبت أهون (إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) [الرعد: 14]، رغم ما هم فيه من مظاهر قد توحي بالسعادة والسرور، ولكن نجد في مقابل ذلك واقع مؤلم من علامات المس والسحر الناشئ عن الحسد والمنافسة على جيفة اسمها الشهرة والصدارة.

وفن التمثيل على ما أعتقد هو من أقرب الفنون [و الله أعلم] إلى التسلط الشيطاني، لذلك ففئة الممثلين من أكثر الفئات عرضة للإصابة بالمس والسحر، وهذا ليس قاعدة عامة ولكن على الغالب، ولنكن صرحاء فإن فن التمثيل يعتمد على [الكذب] سمت الشيطان الموصوف في قول الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه (كذوب)، فالكذب كبيرة من الكبائر، والممثل في الغالب يقول بلسانه ما ليس في الواقع، حيث يتقمص شخصية غير شخصيته، مهما بلغت من النبل فهي لا تماثل شخصيته الحقيقية، أحيانا كثيرة في أثناء الأداء إما ينسب نفسه إلى شخصية فاضلة وقد يكون في الحقيقة غير ذلك، وأحيانا قد يؤدى دورًا يخالف معتقداته الدينية، فلدى علم أن كثير من الممثلين يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة ويحجون إلى بيت الله الحرام، والمسلم لا يجتمع لدية النقيضان وإلا صار كذابا ومنافقا.

كمثال عميد المسرح العربي (يوسف وهبي)( ) تارة يظهر في دور يقرأ بعض الآيات القرآنية، وتارة نراه في دور قس أو راهب يتدلى الصليب على صدره، فما هو بالضبط دين (يوسف وهبى) حتى نقبل مايقدمه أو نرفضه؟! هنا نطرح ما يقدم للمتلقي في ضوء الكتاب والسنة، حتى نتبين بواقعية حقيقة فنون الأداء ومدى مشروعية المطروح منها.

الفن والتنصير: ويسخر المبشرون الفنون والآداب المختلفة: قصة، مسرحية، فيلم، تمثيلية، أغنية، ويسخرون هذه الروافد لبث الفكر التبشيري ولكن في الجانب الهجومي (الطعن في الإسلام) بالسخرية من بعض قيمه أو سلوكه. أو تزيين الباطل، والأمثلة على هذا النوع لا تقع تحت حصر. (المطعني؛ د. عبد العظيم [التبشير العالمي ضد الإسلام أهدافه – وسائله – طرق مواجهته] ط. الأولى 1413 – 1992/ مكتبة النور – القاهرة). صفحة (21).

عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اضمنوا لى ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم).( )

في ضوء الحديث السابق، أين الصدق والممثل يكذب من أول العمل الفني إلى آخره؟ وأين الوفاء بالوعد إذ عاهدتم الله على طاعته، ولم توفوا بذلك عندما نشرتم المخالفات الشرعية على المشاع؟ وأين أداء الأمانة عندما نصبتم من أنفسكم أوصياء على عقول شباب الأمة وبسطائها فلم تؤدوها؟ فعلمتوهم الفساد وأضرمتم فيهم جذوة السعار الجنسي، وأين حفظ الفروج في تلك المشاهد الساخنة؟ وأين غض البصر؟ وأين كف الأيدي عن الملامسة بين الممثلين والممثلات؟

وإن كنتم لا تنسبون أدواركم إلى الكذب، وتعدوها بأي صورة أخرى تروق لكم حتى ولو افترضنا أنكم تهزلون وتمزحون فهل ينفى ذلك أن التمثيل مبنى على الكذب؟!

عن أبى أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا).( )

وأعتقد أنكم حين تمثلون فأنتم جادون لا تهزلون ولا تمزحون، بدليل الأموال الطائلة التي تنفقونها على العمل الفني وعلى الإكسسوارات المكلفة جدًا التي قد تفوق ما تكسبونه من عملكم، فما مصير الكذب الذي تروجوه على الناس يوم القيامة؟

عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، والبر يهدى إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وما يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا).( )

أما الصدق عندهم فهو تقمص الدور وقمة الكذب، وعندها يسمى الممثل (فنان صادق)، والحقيقة أن الفنان لا يصير صادقًا إلا إذا عاش الشخصية بالخروج من شخصيته إلى الشخصية المغايرة، لأن التقمص لغة جاء من (قمص: القميص الذي يلبس… وتقمص قميصه ألبسه، وإنه لحسن القمصة، عن اللحياني. ويقال: قمصته تقميصًا أي ألبسته فتقمص أي لبس. وروى ابن الأعرابي عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: إن الله سيقمصك قميصًا وإنك ستلاص( ) على خلعه فإياك وخلعه، قال: أراد بالقميص الخلافة في هذا الحديث وهو من أحسن الاستعارات).( )

ستلاص: أي: تراود عليه ويطلب منك أن تخلعه، يعنى الخلافة.

وإن معنى التقمص بالتلبس قد يقرب فن التمثيل من المس وتلبس الجن بالإنس، فالممثل عندما يتقمص الشخصية المغايرة له، يكون في حالة من الكذب الذي يعد كبيرة من الكبائر، أي أنه يكون في حالة معصية هي من أسباب المس والتسلط الشيطاني، لذلك عند التقمص يحدث للممثل حالة من الخروج عن الوعي، مما يشير إلى أن التقمص يكون مصحوبًا بتلبس الجن بالجسد فالتمثيل حالة من حالات المس الشيطاني، وكان الممثل (يوسف وهبي) يردد ذلك المعنى عند حدوث التقمص فيقول (كانت واخداني الجلالة) وهذا مسجل في أفلامه، وليس هذا مجرد شطحة أو تخريف أو هزل، ولكن حقيقة وتجربة مر بها الكثير من أرباب تلك الصنعة، وبإقرار أصحابها، وبشهادة علماء النفس، هذا بخلاف إذا تتبعنا الأصل التاريخي الوثني لنشأة المسرح بداية من الطوطم والطقوس السحرية، ومرورًا بفن المسرح عند الإغريق الذي كان يعد أحد طقوس عبادة للأصنام والأوثان.

(تتفق الدراما الشعبية مع الرقص الشعبي في وجود الأصول الدينية لكليهما، ولما كان الفن الدرامي جميعه قد نشأ عن نمط شعبي فإن ذلك يؤيد أن الدراما نفسها هي حصيلة الدين والنظم العقائدية. وهذا القول يصدق عند الحديث عن الأصول الإغريقية والهندية للمأساة والملهاة، كما يصدق ؟أيضا بالنسبة لدراما العصور الوسطى في أوربا، تستوي في ذلك المسرحية الدينية، التي عرفت بمسرحية الأسرار، ومسرحيات المعجزات، وكذلك المسرحيات الأخلاقية التي تدين بأشكالها وبمعظم مضامينها لتعاليم الكنيسة الرومانية لقد كانت المسرحية الدينية The Liturgical Play مجرد جزء من قداس الكنيسة، ولكن ما إن أقبل القرن الثالث عشر حتى تطورت هذه المسرحية، فتحولت الكنيسة وكأنها مسرح واحد بجمهور يحضر وسط الممثلين. وقد تبين للكنيسة بعد ذلك أن العنصر المسرحي الذي احتضنته قد تطور بصورة أكثر مما تقتضيه الأغراض الدينية. فانفصلت المسرحية عن الدين فيما بين القرن الثالث عشر والرابع عشر، بعد أن وجدت السلطات الكنسية أن الدراما التي أنشأتها قد أصبحت مصدر إحراج لها).( )

(جلين ديلسون) عالم نفساني ومغنى أوبرا وممثل ومخرج أيضًا، في كتابه (سيكولوجية فن الأداء) يقول: تقف الكهانة السحرية قريبة من المسرح، خاصة عندما تتجسد الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة من خلال مؤدين يرتدون أقنعة خاصة ويشتركون في صراع خاص، في البداية (قديمًا) كانت الشياطين تمثيلات للمرض الجسمي لكن بعد ذلك أصبحت تمثيلات للأمراض النفسية كذلك، وقد أصبحت هذه النزعة أكثر وضوحًا مع تقدم الطب الجسمي، وهو التقدم الذي كان أكثر فاعلية مع الاضطرابات الجسمية مقارنة بدوره فيما يتعلق بالحالات النفسية، حيث الفاعلية أقل…يصر العديد من منظري الدراما على أن الكهانة السحرية هي المكون الأساسي في المسرح، وهم يقولون أيضًا إن جوهر الدراما ليس مجرد إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي اليومي، لكنه العرض لنظام آخر، نظام خاص بواقع طبيعي، أو سريالي أو إعجازي. وقد كان هذا الواقع ينتج سابقا من خلال الحيل والخدع، ومن خلال الامتداد بحدود الخبرة والقدرات الجسمية عبر حالات مفارقة تشبه الغيبوبة.( )

فإذا كان السحر بطقوسه هو دين الشيطان وعبادة له، فبثبوت أن التمثيل نشأ بمعرفة السحرة كأسلوب للاتصال بالجن، فهو يعد تشبهًا بهم وامتدادًا لإحدى مظاهر المس وعبادة الشيطان، لأنه في الواقع حالة من حالات المس الحقيقية والتي يفقد المؤدي معها وعيه وشخصيته الحقيقية لتحل محلها شخصية مغايرة.

(يميز بعض الكتاب بين (الكهنة – السحرة) الذين يقومون برحلة ما إلى عالم آخر، (الهانجانز) Hungins الذين يتلبسهم زوار من العالم الآخر. جاء مصطلح (هانجان) في حقيقته مصطلحًا من (هاييتي)، وهو يصف الكاهن الذي يكون دوره الخاص متمثلاً في أن تتلبسه الأرواح، لكن هذه الكلمة تستخدم أيضًا بشكل أكثر عمومية من هذا المعنى الضيق. وحيث إن الكهانة السحرية والتلبس يشتملان على حالات تشبه الغشية أو الغيبوبة، وعلى تقطع أو تفكك في الكلام، ويكون من الصعب لأى ملاحظ خارجى أن يميز بينهما. والأمر الأكثر احتمالا بالنسبة للتلبس، هو أنها تبدو كما له من الجنون وذلك لأنها تحدث للأفراد الذين ليس لهم أي مكانة دينية أو كهنوتية خاصة في المجتمع. فعندما تسيطر مثل هذه الأرواح الشريرة بشكل لا إرادي على مثل هذا الشخص، يظهر اعتقاد بضرورة استخدام الرقى أو التعويذ، أو ضرورة استخدام بعض الأشكال الطبية الحديثة المماثلة كالعلاج بالصدمة الكهربائية مثلاً. وقد يبدو التمثيل أكثر مشابهة للكهانة السحرية، بمعنى من المعاني، وذلك لأن التحكم الخاص في الذات خلال التمثيل لا يفقد تمامًا، هذا على رغم أن بعض الممثلين يعتقدون أنهم عندما يستغرقون تماما في أدوارهم يمكنهم الوصول إلى حالة من التداعي، تقع حدودها عند أطراف حالة التلبيس، الحميدة لا الخبيثة…يعتبر (بيتس) (1986) واحد من علماء النفس الذين جادلوا قائلين إن مفهوم التلبس (أو الاستحواذ أو المس) هو مفهوم مركزي لفهم عملية التمثيل، حتى على الرغم من أننا في عصرنا (العقلاني) هذا، قد قمنا بقمع الاعتراف بهذا الأمر. فقد قام بيتس بإجراء مقابلات شخصية مع عدد من كبار الممثلين والممثلات، ووجد أن مفهوم الكهانة السحرية (الشامانية) هو من المفاهيم الأساسية في اقترابهم من الأمور. ومن بين الأمثلة التي ذكرها بيتي: أليك جينس (Alec Guinniss)( ) الذي زعم أنه عرف بموت جيمس دين (James Dean)( ) قبل حدوثه، وفيما يشبه قراءة الغيب. وشيرلي ماكلين (Shirley Macleine)( ) التي زعمت تقمص أو حلول أرواح فيها تنتمي إلى حيوات سابقة لها، وأنها أيضا تستطيع السفر – بروحها – إلى أماكن أخرى خارج جسدها (حالة تسمى الإسقاط النجمي Projection astral)، وقالت: (جليندا جاكسون) (Glenda Jackson)( ) إنها أحيانا تضع قدميها على خشبة المسرح، وهى في حالة من الخوف من التعرض لأخطار الحياة والموت، إلى درجة أن روحها تنتزع منها، تاركة إياها في حالة الذبول والموت. وذكر (أنتوني شير) (Antony Sher) أن الأدوار التي يمثلها تدخل إلى أنه هو نفسه قد يكون في الوقت ذاته مستغرقا في سير أعماق شخصيته ذاتها واستكشافها والتعبير عنها. وكانت (ليف أولمان Liv Ullmann ) تشعر خلال أدائها لأدوارها بأنها تواجه ذاتها الداخلية الخاصة وتكشف الغطاء عنها، بينما تكون في الوقت نفسه مسكونه بشخصية أخرى، تتلبسها روح خاصة، يشترك فيها الممثل والجمهور معًا. وهناك مثال آخر خاص بالممثلة ميل مارتن Mel Martin، وقد زعمت أنها قد تلبستها روح )فيفان لي) Vivian Leigh ( ) عندما طلب منها أن تمثل حياتها ف عمل تمثيلي خاص مصور للتليفزيون، عن (فيفيان لي) عنوانها (محبوبة الألهة Darling Of Gods ). وفى حوار مع جريدة الـ (1990) Sun قالت مارتين إنها تحدثت مع فيفان لى، وإنها سمعت صوتها يخبرها بالطريقة التي ينبغي عليها أن تتبعها في تمثيلها للمشاهد المختلفة (أنا لم أمثل دور فيفان لي. أنا أصبحت إياها. لقد كانت هنا رقيات وتعاويذ عندما استولت روحها علىَّ، ولست على ثقة من أنني سأتحرر أبدًا من سيطرتها عليَّ).( )

السير (أليك جينس) ممثل بريطاني ولد عام 1914م، من أشهر أفلامه: جسر على نهر كواى، عام 1957م، ولورنس العرب 1962م، والطريق إلى الهند 1984م.

( ) (جيمس دين) ممثل أمريكي ولد عام 1931م ومات في الرابعة والعشرين من عمرة عام 1955م، ومثل ثلاثة أفلام فقط أشهرها (شرف عدن) عن رواية لجون شتاينيك عام 1955.

( ) (شيرلي ماكلين): ممثلة أمريكية ولدت ولدت عام 1934م، ومثلت عددًا كبير من الأفلام الكوميدية والإنسانية.

( ) (جليندا جاكسون): ممثلة وسياسية بريطانية ولدت عام 1926م.

( ) (فيفان لي): ممثلة بريطانية (1913-1967) تزوجت من لورنس أوليفييه. وأشهر أدوارها (ذهب مع الريح) (1939). ماتت بالسل في الثالثة والخمسين من عمرها.

السير (أليك جينس) ممثل بريطاني ولد عام 1914م، من أشهر أفلامه: جسر على نهر كواى، عام 1957م، ولورنس العرب 1962م، والطريق إلى الهند 1984م.

( ) (جيمس دين) ممثل أمريكي ولد عام 1931م ومات في الرابعة والعشرين من عمرة عام 1955م، ومثل ثلاثة أفلام فقط أشهرها (شرف عدن) عن رواية لجون شتاينيك عام 1955.

( ) (شيرلي ماكلين): ممثلة أمريكية ولدت ولدت عام 1934م، ومثلت عددًا كبير من الأفلام الكوميدية والإنسانية.
( ) (جليندا جاكسون): ممثلة وسياسية بريطانية ولدت عام 1926م.

( ) (فيفان لي): ممثلة بريطانية (1913-1967) تزوجت من لورنس أوليفييه. وأشهر أدوارها (ذهب مع الريح) (1939). ماتت بالسل في الثالثة والخمسين من عمرها.

ومجمل الأدلة يثبت حدوث المس الشيطاني أثناء التقمص، خاصة عند بلوغ أقصى حد للكذب الذي يسموه زورًا بـ (الصدق الفني)، والحقيقة أن الشيطان يتلاعب بهذه الفئة بل ويشاركهم الكذب والتمثيل ويجعل الممثلين أقنعة يحركها ويتحرك من خلالها مثل أقنعة السحرة تمامًا، ولا نستطيع بحال تعميم المس على كل الممثلين، ولكن الكثير منهم يشكو من المس أو السحر.

(وقد استخلص (بيتس) في ذلك أن الممثلين يقومون بالنسبة لمجتمعنا المعاصر بالدور الخاص الذي يقوم به الكهنة السحرة في المجتمعات البدائية، فهم يحولون عالم الخيال والتخييل (العالم البديل) إلى وجود قابل للتصديق. (إنهم سحرة روحانيون استيهاميون Psychic Illusionists. يحولون العالم الأرضي الدنيوي إلى عالم آخر).( )

 

 

مختصرات منقولة من مخطوط (الدخان الأسود) للكاتب: بهاء الدين شلبي

 

سيطرة الجن على الجسم والتحكم في وظائفه

سيطرة الجن على الجسم والتحكم في وظائفه

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

سيطرة الجن على الجسم والتحكم في وظائفه
 
الكاتب: بهاء الدين شلبي.
 
لكي يستطيع المعالج التعامل مع المس، لا بد له أن يعلم كيفية سيطرة الجن على الجسد من خلال التحكم في وظائفه، وهذا لن يتم إلا علىأساس دراسة (علم التشريح Anatomy)، ودراسة (علم وظائف الأعضاء Physiology)، لذلك يجب أن نضع في الاعتبار، أن أساليب الجن في التعامل مع الجسد وأعضاءه تختلف من جن إلى الآخر، ومن مهمة إلى الأخرى، فهناك توافق بين العضو وبين وظيفته، لكن عمل الشيطان لا يتعارض وطبيعة وظائف أعضاء الجسد، وإن كان في قدرته تمزيق أحشاء أي إنسان، لولا أن قيض الله لنا حفظة وكلهم بنا منذ أن كنا أجنة في أرحام أمهاتنا، قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) [الرعد: 11]، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وكل في الرحم ملكًا فيقول: يا رب نطفة؟ يا رب علقة؟ يا رب مضغة؟ فإذا أراد أن يخلقها قال: يا رب أذكر؟ يا رب أنثى؟ يا رب شقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه)،( ) وإنما يستغل الجن علمه بطبيعة وظائف الجسد ويسخرها لتحقيق أهدافه، والتي يعلمها بقدر يفوق علم البشر بمراحل شاسعة، لذلك فكلما كان المعالج على دراية بهذه العلوم، كلما اقترب من فهم وظيفة الشيطان وعمله، وصار قادرًا على التشخيص السليم، وبالتالي يستطيع مراوغة الجني، وتعطيل وظيفته الموكل بها، من خلال اختيار منهج العلاج الملائم لكل حالة، ومع طول الممارسة وسعة الخبرة، تتطور منهجية المعالج وتترقى.
 
ثبات الشخصية:
فالشيطان يتعامل مع من لم يبلغ الحلم بطريقة خاصة، فيدخل إلى جسد الطفل من خلال أقرب جسد شخص بالغ إليه، ودائمًا ما تكون الأم هي قاعدة انطلاقه، من خلال جميع أساليب توصيل العناصر الغذائية، سواء من خلال اللبن الذي تفرزه الغدد اللبنية مرورًا بالقنوات اللبنية، إلى أن يخرج من حلمة الثدي إلى فم الرضيع، ولأن الشيطان لا يستطيع دخول الرحم أثناء فترة الحمل، بسبب وجود الملك الموكل بالرحم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وكل في الرحم ملكًا..)، فإنه يستطيع أن يسمم الدم المتجمع في المشيمة بالأسحار فتتسرب من المشيمة مرورًا بالحبل السري إلى جسد الطفل، فيولد الطفل معدًا إعدادًا مسبقًا لتسلط الشيطان عليه، فإذا أصيب طفل بالمس عالجناه بمعالجة أمه، ليس لكونه مرفوع عنه القلم، فهناك من البالغين النائم والمجنون مرفوع عنهما القلم، ومع ذلك يصابوا بالمس مباشرة، لما صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق)،( ) ولكن لأن أعضاء جسده لا زالت في طور النمو، فلم تكتمل وظائف أعضاءه بعد، لذلك فوظائف الأعضاء تفتقد إلى الاستقرار، فخلاياه العصبية لم تنضج على النحو الذي يؤهله لضبط تصرفاته.
 
(ثبت في الطب الحديث؛ أن خلايا الإنسان في الجلد والعضلات والعظام والعيون، كلها تتجدد كل سبع سنوات مرة واحدة، ما عدا الخلايا العصبية، فإنها تتوقف عن النمو للإنسان عند السنة السابعة تقريبًا، حيث إن 9 /10 من المخ ينمو في تلك الفترة، وإلاّ فلو تغيرت الخلايا العصبية لتغيرت شخصية الإنسان، ولكان له عدة تصرفات في يوم واحد، وهذا من بديع صنع الله ورحمته، إذ إن الله سبحانه رفع التكليف عن غير البالغ، وهو الذي لم يكتمل نموه بعد .. فإذا كبر الصبي ثبتت شخصيته من خلال ثبات خلاياه العصبية التي لا تزيد ولا تنقص بسبب تلف أو مرض وإلاّ لتعطلت وظائفه عن الحركة ..).( )
 
فردود فعل الصبي تتسم بالتناقض وعدم الاتزان، بسبب عدم اكتمال نمو الجهاز العصبي، وبالتالي فالشيطان معرض ليس لمجرد لسفاهات الطفل فقط، ولكن لعدم استجابة الجهاز العصبي، وفقد قدرته على القيام بالدور المطلوب تحقيقه، كالوظائف الجنسية والتناسلية ووظائف المخ كالتعلم والتذكر والتفكر، وكلها وظائف يعتمد عليها الشيطان لبسط سيطرته على الإنسان المكلف، لذلك يرتبط الشيطان في عمله داخل جسم الطفل بجسد شخص بالغ يمتلك هذه المقومات، والتي تحقق له الملاذ الآمن، وسرعة العودة إلى قواعده سالمًا، تخلصًا من التعرض لهذه السفاهات، وهذه أمور تخضع لدراسة خصائص الجن وقدراتهم، ولأصول وقواعد علوم السحر وفنونه، فالجهاز العصبي هو أهم جهاز يسيطر عليه الشيطان، فمن خلال حركة سريانه في الأوعية الدموية، يتمكن من إحكام سيطرته وهيمنته على جميع أعضاء الجسم ووظائفه، وبذلك تتحقق أهدافه من الشخص الممسوس، وهذا يعني أن مهمة الجن داخل جسم الطفل خاضعة لتغيرات وظائف أعضاءه الآخذة في التطور والنمو، وهذا يتعارض والاستقرار المطلوب للسيطرة عليه، مما يؤكد ما نحن بصدده من تأكيد أهمية الدراسة التشريحية والوظيفية لأعضاء الجسم البشري.
 
الوعي والإرادة:
فكان عثمان ابن أبي العاص رضي الله عنه يعرض له الشيطان يوسوس له ويشغله في صلاته حتى ما يدري ما يصلي، فعن عثمان بن أبي العاص قال: لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدرى ما أصلى، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ابن أبى العاص؟) قلت: نعم يا رسول الله قال: (ما جاء بك؟) قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدرى ما أصلى، قال: (ذاك الشيطان، ادنه؟)..( ) وهذا نموذج من أبسط نماذج المس، والتي تثبت قدرة الجن على التحكم في وظائف أحد أعضاء الجسد وهو المخ، فيلبس على المصلي صلاته، وهذا يدل على عمل الشيطان داخل مركز الانتباه في المخ.
 
ونموذج آخر لأشد ما يكون من حالات تحكم الجن في الجسد، فالشيطان كان يتحكم في جسد الصحابية أم زفر رضي الله عنها، حتى كانت تصرع، وتتكشف فلا تستطيع ستر نفسها، فقد أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك)، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها،( ) وتكشفها هذا لم يكن مجرد رد فعل للصرع، بل كان الشيطان يتعمد إتيان حركات تجردها من ثيابها فتتكشف، فيتلوى بجسدها، فتبدو ملامح جسدها، ويركل بقدميها فتنكشف سوئتها، لذلك ننصح المريضة بارتداء سروال حتى لا يكشف الشيطان شيئًا من جسدها، خاصة أثناء جلسات العلاج، فعندها يكون أشد الصرع، ومما يؤكد أن الشيطان يتعمد تجريدها، ما ذكره البزار من وجه آخر أنها قالت: (إني أخاف الخبيث أن يجردني، فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتتعلق بها)،( ) وهذا يدل على أن حضور الشيطان كان على كامل جسدها، فيجردها من إرادتها تمامًا، ليتحكم في حركة جسدها بحركة جسده تبعًا لإرادته لا إرادتها.
 
النشاط والكسل:
عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا؟ قال: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فقال له الرجل: أمجنونًا تراني؟!.( )
 
عن أبو وائل صنعاني مرادي قال: كنا جلوسا عند عروة بن محمد قال: إذ أدخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، قال: فلما أن غضب قام، ثم عاد إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية، وقد كانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ).( )
 
فللشيطان دور في تحريك النفس، وإثارة الغضب فيها، وهذا لايتم إلا بتدخله في عمل المخ بزيادة تدفق الدم إليه، فيصعد قوة المريض ليطيش عقله فينال ممن حوله، لذلك ينتفخ وجه الغاضب ويحمر لونه، وفي حالة المس والسحر يتغير دور الشيطان وأسلوب عمله، فقد يحضر الشيطان على جسد المريض لتظهر عليه نفس علامات الغضب، وهي نفسها علامات حضور الجن على جسد المريض، وعندها يصير المريض خطرًا على المحيطين به، فعن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد فقال أهله: إنا حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير، فهل عندك شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مائة شاة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: (هل إلا هذا؟) وقال مسدد في موضع آخر: (هل قلت غير هذا؟) قلت: لا، قال: (خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق).( )
 
وكذلك يعقد الشيطان على قافية رأس النائم ثلاثة عقد، ليصيبه بخباثة النفس والكسل، وإن النشاط والكسل من أهم وظائف المخ، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).( ) وهذا أقرب ما يكون بالعقد السحرية لقوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدْ) [الفلق: 4]، أي أن الشيطان يمارس السحر على الإنس، وليس الإنس على الإنس فقط، وهذا نوع من (سحر التبلد)، فتخفض هذه العقد السحرية من تدفق الدم إلى المخ فيصاب الإنسان بالخمول والكسل، مع الرغبة في معاودة النوم، والهدف الأول هو تثبيط النائم عن قيام الليل، والشاهد ما ورد عن عبد الله رضي الله عنه قال ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليله حتى أصبح قال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، أو قال: (في أذنه)،( ) وهذا يثبت أن السحر طاقة غيبية مؤثرة غير منظورة، وليس مجرد حيل وخدع أو شعوذة، وهذا مما سيساعدنا على فهم كيفية تأثير النظرة والتي يحضر بها الشيطان.
 
عن زيد بن أسلم أنه قال: عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بطريق مكة، ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: (إن هذا واد به شيطان)، فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا وأن يتوضئوا، وأمر بلالا أن ينادي بالصلاة، أو يقيم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم، فقال: (يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها)، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فقال: (إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام)، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله.( )
 
وهكذا يهدئ الشيطان المصلي والعابد والذاكر لله تعالى وتالي القرآن، ليتقاعس ويتكاسل عن العبادة حتى يدركه النعاس والنوم، وهذا يحدث لأكثرنا، وعلاجه تغيير مجلسك الذي أدركك فيه النعاس، لقول راوي الحديث (فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي)، وذكر الله والوضوء والصلاة. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (.. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان). ( )
 
التذكر والنسيان:
وإن للشيطان عمل في مركز الذاكرة في المخ، فيخطر بين المرء ونفسه، فيذكره ما لم يكن يذكر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (..يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى)،( ) وعلى العكس من ذلك فقد ينسيه كثيرًا مما يهمه تذكره، تفويتًا علينا انتهاز فرص الخير والبركة، قال تعالى: (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 68]، قال تعالى: (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)[الكهف: 63]، قال تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)[يوسف: 42].
 
إذًا فمن أهم ما يقوم به الشيطان هو نسيان ذكر الله، ‌ومن ذلك تلبيس القراءة ونسيانها، فعثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوه أن شيئًا عرض له فحال بينيه وبين صلاته وقراءته يلبسها عليه، فلا يدري ما يصلي فينسى عدد الركعات، وينسى ما سيقرأه من كتاب الله، وهذا يؤكد تحكم الشيطان بمركز الذاكرة في المخ.
 

السحر والدم والجهاز الليمفاوي

السحر والدم والجهاز الليمفـاوي

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

النخـاع العـظمي:
النخاع العظمي هو النسيج الإسفنجي اللين، والمسمى بالنخاع الأحمر، والمتواجد داخل جزء العظام المعروف بالعظم الإسفنجي، والذي تتمثل وظيفته الأساسية في إنتاج خلايا الدم، و يتكون من شبكة متكاملة من الأوعية الدموية والأنسجة المحاطة بالدهون وخلايا المنشأ ( Stem cells ) التي تتحول لكريات الدم المختلفة في مراحل نضجها النهائية، إذ تنقسم لتكوّن خلايا منشأ جديدة، أو تنمو وتكبر بعملية تناسقية طبيعية محسوبة لتكوّن خلايا الدم، من كريات الدم الحمراء ( التي تحمل الأكسجين وبعض المواد الحيوية إلى كافة خـلايا الجسم )، وكريات الدم البيضاء ( التي تدافع عن الجسم ضد الأجسام الغريبة و تكافح العـدوى )، والصفائح الدموية ( التي تتجلط لتمنع نزف الدم عند الجروح أو القطوع )، و يتواجد النخاع العظمي في كل العظام تقريبا عند الأطفال الرُضّع، بينما وقبيل سن البلوغ يتواجد غالبا في العـظام المسطحة، مثل عظم الجمجمة وعظم الأكتاف والضلوع وعظام الحوض والمؤخرة.

الـدم:
يتركب الدم من البلازما وأنواع مختلفة من الخلايا، وتتكون البلازما بدرجة كبيرة من الماء ومركبات كيميائية متعددة، مثل البروتينيات والهرمونات والمعادن المختلفة والفيتامينات، بينما تشمل خلايا الدم كريات الدم البيضاء والحمراء والصفائح الدموية.

 

كريات الدم الحمراء:
وهي التي تعطى الدم لونه الأحمر وتكوّن تقريبا نصف حجمه و تحتوي علي بروتين الهيموغلوبين الذي يحمل الأكسجين من الرئة إلى مختلف أنسجة الجسم ويحمل ثاني أكسيد الكربون بالمقابل، ونقص الكريات الحمراء أو الهيموغلوبين يؤدي إلى نشوء فقر الدم ( الأنيميا ).

 

كريات الدم البيضاء:
وهي الأداة الأساسية في الجهاز المناعي بالجسم، إذ تدافع عن الجسم وتكافح العدوى، بمهاجمة الأجسام الغريبة، مثل البكتيريا أو الفطريات أو الفيروسات أو الجراثيم المختلفة، أو أية أجسام غريبة تدخل الجسم إضافة إلى الخلايا المتسرطنة، وثمة عدة أنواع وتصانيف من كريات الدم البيضاء، والأنواع الرئيسية الثلاث هي:
الخـلايا الليمفـاوية: ( lymphocytes )
وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: الخلايا البائية ( B lymphocytes )، الخلايا التائية ( T lymphocytes )، والخلايا المُبيدة بطبعها ( Natural Killer cells NK )، و هي تتكامل معاً كجزء مهم جدا في الرد المناعي، فالخلايا البائية تساعد في مكافحة البكتيريا وبعض الكائنات الغريبة، وذلك بإنتاج ضدّيات الجسيمات الغريبة ( antibodies ) أو الأضداد، والتي بدورها تعمل كدليل أو سِمة للكائنات المستهدفة، إذ تلتصق ببروتينات معينة تتواجد على سطوحها تُسمى بمولدات المضادات ( antigens ) فتسِمها و تُعلّمها مما يجذب نحوها الأنواع الملتهمة من خلايا الجهاز المناعي، التي تقوم بابتلاعها، كما تجذب نوعا من بروتينات الدم التي تدمر هذه البكتيريا بإحداث ثقوب في جدار خلاياها.

بينما تساعد الخلايا الليمفاوية التائية في الحماية من الفيروسات، حيث يمكنها تمييز مواد كيماوية معينة، تتواجد على السطح الخارجي للخلايا المصابة بعدوى فيروسية، فتقوم بتدميرها بأن تفرز مواداً خاصة تذيب الغشاء الخارجي لهذه الخلايا، كما أنها تفرز مواداً تنظم ردود فعل الجهاز المناعي تسمى المثيرات الخلوية ( cytokines )، تستنهض أنواعا أخرى من خلايا كريات الدم البيضاء لتهاجم الخلايا المصابة، و يعتقد أن الخلايا التائية تقوم بمهاجمة و تدمير بعض أنواع الخلايا السرطانية بنفس الطريقة، إضافة إلى مهاجمتها لخلايا الأنسجة المزروعة بالجسم، ( لذلك يتلقى المرضى ممن أجريت لهم عمليات زراعة الأعضاء، أدوية خاصة لإحباط رد فعل الخلايا التائية ).

الخـلايا الحُبيبية: ( granulocytes )
وهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع فرعية، الخلايا القاعدية ( Basophils ) والخلايا الحَمِضة ( Eosinophils ) والخلايا المتعادلة وتسمى أيضا بالعَدلات ( النيتروفيل neutrophils )، و يتم التمييز بينها من حجمها ولون الحُبيبـات الظاهرة بداخلها تحت المجهر، وهذه الحبيبات تقوم بدور رئيسي في تفتيت كيميائيات خلايا الكائنات المهاجمة للجسم، وبطبيعة الحال تمر الخلايا الحبيبية بعدّة أطـوار لتنمو و تنضج من خلايا نخاعية أوليّـة إلى خلايا بالغة قادرة على المدافعة، وهي تكـافح خصوصا العـدوى البكتيـرية والالتهابات وأعراض التحسس، وتبقى بالدورة الدموية لفترة قصيرة نسبيا تتراوح بين عدة ساعات إلى عدة أيام.

الخـلايا الأحـادية: ( monocytes )
وهي تحطم الأجسام الغريبة وتتحول إلى خلايا ملتهمة عند الحاجة، والتي بدورها تلتهم الكائنات الغريبة وتساعد الخلايا الليمفاوية في تمييزها وإنتاج ضدّيات الجسيمات الغريبة.

الصفـائح الدمـوية:
وهي في الواقع تتكون من جزيئات تشبه الخلايا ناتجة عن تفتت نوع من خـلايا النخاع العظمي تُعرف بالخلايا النقبية الضخمة ( megakaryocyte )، والتي تتحول إلى صفائح وتصنف عادة ضمن خلايا الـدم، وتكمن أهميتها في وظيفتها كجزء من آليات الحماية بالدم، ولدورها الرئيسي في تكوين التجلطات وحماية الأنسجة المختلفة من النزف، برتـقها وإغلاقها لمواضع الجروح أو القطوع بالجسم.

لاحظ تجمعات الغدد والعقد الليمفاوية عند مفاصل الجسم
وعلاقتها ببؤر التجمعات السحرية في الجسم

 

الجهاز الليمفـاوي:
ويتركب الجهاز الليمفاوي من الأوعية الليمفاوية التي تشبه الأوردة الدموية، وتتفرع إلى كل أجزاء الجسم و يمرّ عبرها السـائل الليمفاوي، وهو سـائل عديم اللـون يحمل إفرازات الخـلايا الزائدة و مخلفاتها و خلايا جهاز المناعة، وشبكة الأوعية الليمفاوية تتجمع في غدد عضوية صغيرة تسمى الغدد الليمفـاوية، التي بدورها تتواجد بمجموعات في مناطق مختلفة من الجسم، مثل الإبطين و الرقـبة و التجويف البطني، ( كما يعتبر الطحال واللوزتين والغدة الصعترية ضمن غدد الجهاز الليمفاوي المهمة )، وهذه الغدد تخزن الخلايا الليمفاوية ( Lymphocytes ) التي تعتبر الخلايا الرئيسية في النسيج الليمفاوي.