الأبحاث الروحية

الأبحاث الروحية
الكاتب: بهاء الدين شلبي.

ومن البحوث ما يسمى (بالبحوث الروحية)، ( وهى فرع من علم النفس الحديث، وهدفها محاولة الكشف عن المميزات الإنسانية غير العادية، وقد أقيم أول معهد لإجراء هذا النمط من البحوث عام 1882م في إنجلترا. وبدأ علماء المعهد عملهم سنة 1889م، بعد أن قاموا بمسح واسع النطاق على 17 ألف من المواطنين، ولا يزال هذا المعهد موجودًا باسم (جمعية البحوث الروحية). وقد انتشرت معاهد كثيرة في مختلف بلدان العالم، وأثبتت هذه المعاهد، بعد بحوثها وتجاربها الواسعة النطاق أن الشخصية الإنسانية تواصل بقاءها بعد فناء الجسد المادي، في صورة غريبة). ( )

مفاهيم حول الإصابة بالعين

مفاهيم حول الإصابة بالعين

الكاتب: بهاء الدين شلي.

لم يثبت شرعا ولم يتفق عقلا أن العين تخرج منها سموم أو أشعة تتصل بالمعيون وتؤذيه، وهذا تفسير خرافي لتأثير العين في المعيون لا سند له من الدين أو العقل، ولكن ذكر الحافظ ابن حجر: (وقد نقل عن بعض من كان معيانًا أنه قال: إذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني)، وإحساس العائن بحرارة تخرج من عينيه لا يعني مطلقا أن العين هي مصدر هذه الطاقة، وما يعنينا من العين وظيفتها المنوطة بها، ألا وهي النظر، وهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (استرقوا لها فإن بها النظرة)، فذكر النظرة إشارة لوظيفة العين.

والعين لا يمكن أن تكون مصدر الطاقة الحرارية التي يشعر بها العائن، لعدم احتوائها على أي مصدر للطاقة، اللهم إلا ما يتشعب خلالها من شرايين تتدفق فيها الدماء لتغذيتها، فدرجة حرارتها لن تتجاوز بحال درجة حرارة الجسد، إذًا فمصدر هذه الطاقة الحرارية يعد خارجي ودخيل على جسم العائن، والمصدر الحقيقي لهذه الطاقة الحرارية هو الشيطان الذي يحضر مع العائن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العين حق، ويحضر بها الشيطان..)، فالشيطان خلق من نار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)، لذلك كان ماء غسل العائن والوضوء يطفئ نارية الشيطان، ويذهب تأثيرها في المعيون.فحمل بعض المعاصرين ما ذكره الحافظ ابن حجر على أنه خروج أشعة من عين العائن تصيب المعيون، وهذا خيال ترسخ مما روجت له الأفلام السينمائية وصدقه الناس، فالعين لا يخرج منها ضوء أو إشعاعات، لكن العكس هو الصحيح، فقد ثبت علميًا أن العين لكي ترى لا بد من سقوط الضوء على الأشياء ومن ثم انعكاس الضوء على شبكية العين فترى العين الأشياء من حولها، ثم تنقل إشارات إلى المخ، والمخ يترجم الإشارات إلى صور حسية فيبصر الإنسان ويعي ما يراه، لذلك لا نستطيع رؤية الأشياء في الظلام، وهناك بعض الحيوانات والطيور والحشرات حباها الله بخاصية (الرؤية الحرارية)، فتستطيع تمييز الحرارة الصادرة عن الأشياء ومن ثم ترجمة الحرارة إلى صور مرئية مجسمة أمامها، وهذه الخاصية يفتقدها الإنسان، ولكن أمكنه بواسطة الأجهزة الحديثة محاكاة قدرة الحيوانات، وبهذا يتم الإبصار بطريقتين (الرؤية الضوئية) و(الرؤية الحرارية)، إذًا فالعين مجرد آلة حسية نرى بها الأشياء، ونبصر من خلال المخ، فهي مضغة مكونة من لحم ودم، لا تحمل طاقة داخلية حتى يصدر منها أشعة ضوئية أو طاقة حرارية صوب المعيون.

فعند حضور الجن على جسد الممسوس ترتفع درجة حرارة أنفاسه بدرجة ملحوظة، حتى أنها تلسع يد المعالج إذا ما قربها من أنف المريض لفترة من الوقت لدرجة تصبب العرق منها، فالشيطان المنطلق من خلال عين العائن صوب المعيون هو مصدر الحرارة التي تخرج من عين العائن، هذا إذا أدرك العائن النعمة بعينية وليس بحاسة أخرى من حواسه المختلفة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن العين: (ويحضر بها الشيطان)، فرغم ضعف الشيطان المعيان بدليل أن المعيون يشفى بمجرد صب غسل العائن عليه، وتتدافع المدد الشيطاني إليه بتثاؤب المريض أثناء الرقية، إلا أنه يستمد طاقته وقوته من طبيعة نفس العائن وقوتها لا من ذاته، أي من قوة الحسد الكامن في نفس الإنس أو نفس الجن.

وما يعنينا هنا هو حرارة النظرة، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: (اللهم أذهب عنه حرها، وبردها، ووصبها)، فرقاه النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أشياء من حرارة النظرة،وبرودتها،ودوام وجعها ولزومه، ولأن النظرة منها الحارة ومنها الباردة، فكذلك مجلس الشيطان يكون بين حرارة ضوء الشمس وبرودة الظل، فعن رجل‌ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجلس بين الضح والظل وقال:‌ (مجلس الشيطان)، فالشيطان إما ينشط الإنسان فيشعل فيه حرارة الغضب، وإما يثبطه فيصيبه ببرودة الفتور والكسل فيتثاقل عما لا ينبغي أن يتثاقل عنه.

فإذا كانت العين وسيلة لإبصار الأشياء فإنها ليست الوسيلة الوحيدة للإحساس بوجود الأشياء، فهناك حواس أخرى تشترك مع العين في إدراك الأشياء، فهناك حاسة السمع يستطيع الإنسان من خلالها تمييز وجود الأشياء صوتيا، وهناك حاسة الشم يمكن من خلالها تمييز وجود الأشياء من خلال ما يصدر عنها من روائح مميزة، وهناك حاسة الذوق وهي تشترك أحيانا مع حاسة الشم في تميز الطعم والروائح، وهناك حاسة اللمس ومن خلالها يمكن تمييز وجود الأشياء من خلال ملمسها وحرارتها، وهناك العقل يمكن من خلاله تمييز وجود الغيبيات، مثل إدراك وجود الله بالعقل، فضرر العين وإن اشتهر انتشاره حقيقة من خلال حاسة البصر، إلا أن الحسد المؤدي للإصابة بالعين لا يقع إلا بإدراك وجود النعم، وإدراكها كما بينا قائم على الحواس والعقل، وليس على النظر فقط، فقد نجد كفيفًا لا يبصر بعينيه، ولكنه يحمل في صدره بصيرة رحمانية، وربما بصيرة شيطانية، فإذا سمع عن نعمة أو لمسها على أحد من الناس أصابها الأذى رغم عجزه تماما عن رؤية المعيون، لذلك نجد أشخاصا أعينهم سليمة تماما من حيث تركيبها، ولكنهم لا يبصرون، وعلى العكس تماما نجد شخصا فقد عينيه تماما، ورغم ذلك يرى أحلاما ومنامات، وفي مناماته يميز الألوان ويتعرف على الأشخاص المحيطين بهم، مما يؤكد أن الرؤية شيء والإبصار شيء آخر تماما، إذا فالرؤية والإبصار عمليتان تؤديان لحدوث النظر، فالنظرة أعم وأشمل، والإدراك يتحقق بالحواس عموما.

إذًا ليست العين بقدرتها على الإبصار هي السبب الأول والوحيد في إصابة المعيون بالأذى، ولكنها تبقى النفس الأمارة بالسوء التي أدركت وجود النعمة هي المسئول الأول عن الأذى، فالنفس هي التي تتمني وتهوى، فالأعمى يصيب المعيون بالأذى رغم أنه سمع عنه فقط، وربما يصيب مبصر بالأذى لمجرد سماعه بنعمة حلت بالمعيون وهو في مكان بعيد جدا عنه، وهناك نعم معنوية لا يمكن رؤيتها بالعين، كأن يكون المعيون حاد الذكاء أو البصر، ورغم أنها نعم غير مادية، لا تبصرها العين المجردة، إلا أنه بسبب العائن يصير الذكي غبيا، والمبصر أعمى، وعليه فلا يصح ربط الأذى بالعين فقط، إنما بالحواس كلها.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أقر لفظًا بحقيقة العين والنظرة، مما لا يدع مجالا للشك من حقيقة دور العين وفاعلية تأثيرها، فإن ثبت أن عين الإنسان مجرد آلة تفتقد القدرة على إلحاق الأذى، وأنها ليست المصدر الوحيد للإحساس بالموجودات، بل يشاركها الإدراك حواس أخرى مختلفة، إذًا فالعين ليست هي عين ونظرة الإنسي، وهذا قد يبدو من ظاهر الأمر تعارض بين السنن الكونية، وبين النصوص الشرعية، ولكن هذا قصور منا في فهم النصوص، وعجز عن إسقاط النصوص في الواقع، والسبب هو تناول دلالات النصوص من قبل غير المتخصصين في التعامل مع الجن، فإن كان هناك علماء مجتهدين في جميع نواحي الشريعة، إلا أنه هناك نقص لا ينكره أحد في وجود علماء متخصصين في (العلوم الجنية)، وبالتالي وسد الأمر إلى غير أهله من المتخصصين، فحملوا النصوص على ظاهرها بما يتعارض وواقع السنن الكونية، لذلك فالأمة اليوم بحاجة إلى وقفة مع نفسها للاعتراف بالعلم الجديد الأصيل شرعًا، وهو ما اصطلحت عليه باسم (العلوم الجنية)، وهو علم خلاف (علم الطب الروحي)، وإن كان (الطب الروحي) فرع من فروع (العلوم الجنية)، فهناك علوم أخرى متفرعة عنه لم نصل إليها بعد، على سبيل المثال (فقه التعامل مع الجان)، (أحكام الجان)، (صفات وخصائص خلق الجان)، وللأسف الكبير أنه اجترأ على الخوض في هذه العلوم إما (السلفيين المعاصرين) بلزومهم النص السلفي، فإن لم يجدوا نصًا أنكروا الواقع، وحكموا ببطلانه لأن السلف لم يقولوا بهذا، رغم أن النص يحتمل دلالة تفسر الواقع والسنن الكونية، وإما من أخذته الحماسة وهو ليس أهل للاجتهاد والخبرة والتخصص، فأخرجوا لنا مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان.

ولكننا سنجد حسب مفهوم النص أن العين أو النظرة ليس المقصود بها العين البشرية، فليس هناك شريك عاقل ومميز لوجود النعم وقادر على إلحاق الضرر بها سوى الشيطان، إذا فالعين الشريرة هي عين الشيطان المترصد للنعم، فيصوب الشيطان عينه ويطلق نظرته صوب النعمة في المعيون فيؤذيه بقدرات فائقة اختص الله بها الجن، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان، ثم أعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذهما، وترك ما سوى ذلك. فقدم عين الجن على عين الإنس لشدتها وخفائها، ولأن عين الجن هي الأصل في إحداث الأذى، فتنفذ حرارة نظرة الشيطان من خلال عين العائن المصوبة تجاة المعيون، إذًا فلابد من تلبس الشيطان بالعائن ليتمكن من النظر من خلال عينه إلى المعيون، وعلى قدر شدة حرارتها تكون سرعة الإصابة بالأذى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين)، وهذا يفيد أن للعين سرعة تزيد وتنقص في سباق خاسر لها مع القدر، فليست النظرة بالسرعة التي تسبق قدر الله تعالى، وقالت أسماء بنت عميس: (ولكن العين تسرع إليهم)، وهذا لظهور النعمة عليهم ولضعف حصانتهم، وبما أن الإبصار يعتمد على الضوء المنعكس على شبكية العين، إذًا فللنظرة سرعة مرتبطة بسرعة الضوء، خاصة إذا علمنا أن الأشعة تنقسم إلى حارة وباردة، فإذا علمنا أن الإشعاعات غير الحرارية تنطلق بسرعة الضوء، والتي يبلغ مقدارها 186281.7 ميلاً في الثانية، بما يساوي 300 ألف كيلو متر في الثانية تقريبًا، فكيف الحال بسرعة الأشعة الحرارية؟ فإن للنظرة سرعة مرتبطة بسرعة الضوء المنعكس عليها، بل وللأشعة القدرة على النفاذ واختراق الجمادات كأشعة جاما وإكس.

لذلك فالعين هي عين الشيطان سواء أدرك العائن النعمة بعينه أو سمعه أو بأي حاسة أخرى من حواسه المختلفة، وسنجد أن صلة العين بالجن لا بالإنس ليس اكتشافا جديدًا، فقد كان هذا المفهوم متعارفا عليه في المجتمعات السحرية التي كانت تعبد الجن وتؤلههم، كمجتمع مصر الفرعونية، لذلك فالصراعات الدائرة في أساطير آلهة الوثنين والسحرة عمومًا، ما هي إلا سرد لحقائق كثيرة عن عالم الجن والشياطين، تتضمن شرحا لخصائصهم كجن، ولكننا لا نلقي لها بالا باعتبارها مجرد خرافات وخزعبلات لا أصل لها، وهذا فهم سقيم لمن لم يدرس (علم الفولكلور)، فمن أقوى الطلاسم وأكثرها شيوعًا عند الفراعنة ما يعرف (العين أوجات)، وهي تمثل العين المنزوعة من الإله (حورس) إله السماء معبود الفراعنة، والذي شفي وعادت إليه عينيه، بعد أن كان أن الإله (ست) قد اقتلعها، وهي ترمز لعين كوكب القمر اليسرى، أو عين الشمس اليمنى، وكان يستعان بها ضد (العين الشريرة)، ولجلب الخصوبة والصحة … (وترجع فعاليتها الحامية إلى صلتها الوثيقة بالأصل [أوجا] الذي يعني: [السلامة، واكتمال الصحة والعافية] وخلاف ذلك فإن كلمة [أودجا] تعنى أيضًا [تميمة]) … (ولقد قام كل من لكا وبورخارت ومورية في بحوثهم عن (التمائم والسحر) بحصر أنواع التمائم ونماذجها خلال مختلف العصور الفرعونية من عهود ما قبل الأسرات، إلى العصر الروماني. فوجد أنها تزيد على الخمسة آلاف يضم كل متحف من متاحف الآثار المصرية في العالم المئات منها)، فهذه الأسطورة تجسد صراعا بين العين القادرة على الشفاء، وبين العين الشريرة التي تلحق الأذى، فمن العجيب والمدهش أن الناس تعلق تميمة العين رغم أن العين مصدر شؤم لديهم، لكن هذه الأسطورة عن عالم الآلهة من الجن تفسر لنا سبب تعليق السحرة لتميمة العين، فهي تمثل عين الجن الحامية من أذى العين الشريرة للجن أيضًا، فهم يستعينون بقدرات جن ضد جن آخر، إذًا فما الفارق بينهم وبين من يستعينون بالجن المسلمين زعموا لعلاج ما أفسده الجن؟ بينما الجن المسلمين ينكرون هذه الفرية في حقهم، لذلك أعتقد لا يوجد أي فارق بين السحرة والمستعينون بالجن.

لذلك يجب أن نضع صوب أعيننا أن السحرة هم الأكثر دراية بخصائص الجن واطلاعًا على أحوالهم، فبدون هذه المعرفة لا يمكنهم الاستفادة من قدرات الجن في السحر، ومن ثم يأتي بعدهم في الترتيب المعالجين، فهم أقل من السحرة دراية بعالم الجن، فسنجد أنهم على صنفين لا ثالث لهم، فالصنف الأول يتقيد يظاهر النصوص انطلاقا من مفهوم السلف، والصنف الثاني يضيف إلى ظاهر النصوص الخبرة والتجربة، والصنف الثاني على قسمين، الأول منهما يعتمد الضوابط الشرعية والفهم الصحيح للعقيدة، والثاني اعتمدوا على الاستعانة بالجن، وبذلك خرجوا التوحيد إلى الشرك فلا يشفي الله على أيديهم أحدا إطلاقًا، فما يجده المريض من عافية إنما مجرد تحسن في الظاهر مؤقت، مبني على زيادة تمكن الجن من جسد المريض أكثر من ذي قبل فتستكين الحالة، فيظن الجاهل بأمور الجن أن الحالة قد شفيت، وعلى المدى البعيد قد تنتكس الحالة أشد من ذي قبل، وهذا ما يسمى اصطلاحيا (السحر الطبي Shamanism).

ولجهل أصحاب هذه المدرسة فلم يقرؤوا من قبل عن مصطلح (شامان Shaman)، وهو الطبيب الروحي المتصل والمعتمد على قوة عالم الجن في علاج المرضى، وهو طبيب ساحر كان ولا يزال منتشر في جميع المجتمعات السحرية، وللشامانات أساليب متنوعة ومختلفة تتوافق وكل مجتمع، وتحقق لهم ما يحافظوا به على تواجدهم فيه، فتخلت الشياطين عن مظاهر (حلقات الزار) البدائية والمنقرضة بعد أن فضحت إعلاميا، وانصرف الناس عنه، فتخلت عن المظاهر وأبقت على أصل (الزار) وهو (الاستعانة بالجن)، لتظهر الاستعانة في ثوب شرعي مدعوم بأقوال السلف التي لا سند لها من كتاب أو سنة، حتى ظهر علينا من أباح إبطال السحر بنقولات من كتب سلف الأمة، ليقنع مجتمع الصحوة الإسلامية المعاصر أتباع المنهج السلفي، ومن قبل انتشر (الشامانات) في البلاد الإسلامية من خلال الفكر والمعتقد الصوفي، فصاغوا ما يحاكوا به الكرامات، واحتجوا بالكرامات على مشروعية منهجهم السحري ومعرفتهم الباطنية المدونة في كتاب (شمس المعارف الكبرى)، فتمكنت البقية الباقية منهم من فتح قنوات فضائية عديدة ينشرون من خلالها السحر، وحتى اللحظة لا نجد قناة واحدة فتحت (للعلاج الشرعي)، في مقابل قناة واحدة فقط للرقية الشرعية ولا علاقة لها بالطب الروحي على الإطلاق، لكن للأسف أن كثير ممن يطالعون ما أكتبه يقرؤونه لمجرد البحث عن مبرر يقنعهم بالطعن في شخصي، وبدون أن تتفتح أذهانهم لما تحتويه مواضيعي وأبحاثي من مضامين يجهلونها، وفي النهاية يتهموني باطلا بأني أروج للسحر، رغم أني أكشف السحر وأعري السحرة، لكنهم لا يرون إلا بعين واحدة، وهي عين (المسيح الدجال) التي لا يرى بها إلا نفسه فقط، وعلى الأرجح لا ينظرون بعينه التي تبصر.

إن الحسد ليس السبب الوحيد للإصابة بالعين، بل الأصل هو ترك التبريك على النعم، فإن ترك الدعاء بالبركة سبب رئيسي في وقوع الأثر المدمر على المعيون، نتيجة لحضور الشيطان عند كل شيء من شؤوننا، فعند ترك التبريك على النعم، أو الحسد وهو تمني زوال النعمة، يبدأ هنا عمل الشيطان لإلحاق الضرر والأذى بواسطة عينه ونظرته صوب المعيون، لذلك عاتب النبي صلى الله عليه وسلم عامرًا ليس على النظرة، فحاشى للمسلم أن يحسد أخاه المسلم، ولكن عاتبه على ترك التبريك فقال: (.. هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت)، وقد يصيب صاحب النعمة نفسه بالأذى، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم من أخيه، أو من نفسه، أو من ماله ما يعجبه فليبركه، فإن العين حق)، فالدعاء بالبركة لا يمنع عين الإنس من النظر، ولكن حلول البركة حجاب من الله يمنع وصول أذى عين الشيطان ونظرته، فتفقد النظرة فاعليتها فيمتنع أذاها، لانتفاء اجتماع البركة والأذى، فالضدان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا، إذًا فوقوع الأذى معلق بغياب البركة، فإذا ترك التبريك وقع الأذى، ولأن ترك الدعاء بالبركة إما يكون نسيانًا أو كسلاً أو غفلة عن ذكر الله تبارك وتعالى، فوجب الاحتراز من أذى العين بالمعوذات والأذكار المسنونة التي يحترز بها من وقوع البلاء بإذن الله تعالى، وعلينا التخلي عن تلك المفاهيم البالية أن فلانة (عينها مدورة)، و(عين الحسود فيها عود)، فالعين البشرية بريئة من هذا الفهم السقيم، ولكنها عين الشيطان، فالعلة في آفات النفس البشرية من حسد وإغفال الدعاء بالبركة، ولنستبدلها بالدعاء بالبركة سواء على ممتلكات الآخرين أو ممتلكاتنا، ولننسب تأثير العين إلى الشيطان، فكل معيان مقترن به شيطان رجيم .

لقاء مع أشهر امرأة تصيب بالعين ..يستأجرونني لإيذاء خصومهم وزوجي يسترضيني خوفا من عيني!

في التاريخ واقعة شهيرة.. تحكي عن شقيقين أحدهما غني والآخر فقير وكان الأخير يحقد على شقيقه الغني فاستأجر أحد الحسادين المشهورين ووقف الاثنان فوق ربوة عالية، وقال الحاسد للأخ الحاقد عندما تقترب قوافل شقيقك من بعيد أخبرني فلما أخبره، إذا بالحاسد يقول له، ولكني لا أرى شيئاً فهل أنت حاد البصر. لهذه الدرجة فحسده في الحال ففقد بصره.

«أم حنان» من هذا النوع الذي يعمل لها الجيران «ألف حساب».. ووصلت شهرتها لحد أن البعض «يستخدمها» بأجر لتساعده في الانتقام من خصومه.. أو يقدموا لها الهدايا كي يأمنوا شرها.

أم حنان سيدة في العقد الرابع، نحيلة تظهر عليها بوضوح علامات الهزال والضعف، نشأت في صعيد مصر، لم تنل حظاً من التعليم، أرسلها والدها إلى القاهرة مع شقيقتها لتعمل في منزل احدى العائلات التي تعود أصولها إلى قريتها، وكانت دائماً منطوية وترفض الكلام مع الغير.

منذ أن دخلت المنزل والعائلة المضيفة تتعرض لأزمات ونكسات لم يستطع أحد أن يعرف أسبابها إلى أن كشفتها الصدفة والمزاح.. وبين الحقيقة والوهم دار الحوار التالي مع «أم حنان».

البداية مزاح * كيف اكتشفت حقيقة نظراتك «الحارة»؟

ـ البداية كانت مزاحا بيني وبين شقيقتي التي تعمل معي في منزل العائلة الثرية، بعد أن فرغنا من أعمالنا اتجهنا إلى الشرفة التي كانت تطل على مقهى كبير، كنت أؤكد لها مقدرتي على التركيز بنظراتي في الأكواب التي يحملها نادل المقهى لتنسكب بعد دقائق وتقع على الأرض وتتحطم.

كانت شقيقتي تتعجب مما يحدث.. وتطلب مني تكرار ما فعلته مرة أخرى.. وبالفعل أكرر ما حدث عدة مرات.. لتصاب بالدهشة من مقدرتي التي تكمن في نظرات عيني.

بائع الخضروات * هل اقتصرت قدرتك على مجرد سكب الأكواب وتحطيمها؟
ـ حاولت استغلال قدرتي واختبارها في أشياء أخرى.. مثل تمزيق الملابس الجديدة التي تحلو في عيني، وتحطيم زجاج النوافذ وإسقاط اللوحات من على الحوائط، وأتذكر بائع الخضروات الذي نهرني عندما كنت أشتري منه بعض طلبات المنزل، ووقفت دقائق أمامه بين الغضب والتركيز بنظراتي الثاقبة وما هي إلا لحظات حتى وقعت جميع الخضروات بأقفاصها على الأرض لتدهسها السيارات، وعدت إلى المنزل مرتاحة البال بعد انتقامي منه..

أبحاث متصلة بنفس الموضوع

1 _ الجن المعيان (البومة – الهامة)

2_ الإصابة بالعين وعلاقتها بالحسد

3_ طريقة إضعاف الشيطان المعيان والطيار

4_ مفاهيم حول الإصابة بالعين

تحضير القرائن المسمى بتحضير الأرواح

(تحضير القرائن)
والمسمى بتحضير الأرواح

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

الاتصال بالقرائن:
وفيما يطلق عليه الاتصال الروحي Spiritual communication، سنجد أنهم يصفون حالة حضور الروح المزعومة بدقة متناهية جدًا، توضح عظيم الشبه بينها وبين ظهورات العذراء التي نحن بصدد توضيح كيفية حدوثها الآن، وهي أقرب ما تكون إلى إحدى ظواهر الاتصال العديدة، والتي لا بد من وجود وسيط أو (وسيطة) لكي تحدث مثل هذه الظاهرة.

علم هاروت وماروت

علم هاروت وماروت

 الكاتب: بهاء الدين شلبي.

    إن الله تبارك وتعالى قد آثر بعض خلقه بعلوم خاصة متفردة، فيتحقق بها ما يعجز عنه بني الجنس الواحد بقدراتهم المعتادة، مما يدل على وجود علوم مغيبة عنا يمكن بها إنجاز الكثير مما نعجز عنه كبشر، ولكن تظل هذه العلوم مغيبة عنا، ولا نعلم شيء عن تفاصيلها أو مضمونها، والمهم في هذا أن ندرك أن علمنا كبشر محدود جدًا، فكثير من الأمور التي تحدث حولنا لا يصح أن نحكم عليها بعلمنا المحدود، فما نعده في بعض الأحيان خوارق، ما هو إلا فوائق للعادات خاضعة لسنن كونية، ولها تفسير علمي، ولكن ليست كل العلوم معروفة لنا كبشر.فالقرآن الكريم يثبت وجود علوم كثيرة مغيبة عنا، فهذه الفوائق تحدث وفق سنن كونية لا زلنا نجهل كثيرًا من أسرارها، فليس كل ما نجهل أسراره يصح نسبته إلى المعجزات والكرامات، لأن المعجزة من صنع الله مباشرة، كمعجزة خلق المسيح عليه السلام، فلا يخرق العادات إلا من خلقها، أما ما يقوم به المخلوق إنسا أو جنا أو ملائكة فهو خاضع لسنن كونية علمها من علمها وجهلها من جهلها، فهناك علوم يدركها البشر، بينما هناك علوم يدركها الجن ويجهلها البشر، وهناك علوم تعلمها الملائكة ويجهلها الإنس والجن، فينظر إليها الجاهل على أنها خوراق ومعجزات طالما عجز عنها، وهي في حقيقتها مجرد فوائق لعادات الجنس الواحد، أو عدة أجناس مختلفة، بينما هي عادات لجنس آخر مختلف.

    سوف أسوق عدة نماذج قرآنية تشهد بوجود علوم فوق العادة، اختص الله عز وجل بها بعض عباده، فمنهم من استخدمها في طاعة الله تعالى فرفعه بها في الدنيا والآخرة، ومنهم من استخدمها في معصية الله تعالى فاستحق غضبه وعقابه في الدنيا والآخرة، وفي المقابل هناك ما هو علم شر محض لا خير فيه، ويخسر صاحبه الدنيا والآخر، وهو (علم السحر)، وهذا علم باطل لا يصح نسبته إلى الله عز وجل، وهو علم خاضع لخصائص قدرات الجن، وفق سنن كونية مجهولة للإنس، ويعجز البشر عن الإتيان بما يحققه السحر.

    _ آثر الله عز وجل آدم عليه السلام بعلم لم يعلمه للملائكة، قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  *قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَاكُنتُمْ تَكْتُمُونَ ( [البقرة: 31؛ 33].

    _ فقد علم الله نبيه الخضر عليه السلام من لدنه علما لم يكن لدى موسى عليه السلام، فالله قد يصطفي نبي بعلم لم يختص به غيره من الأنبياء، قال تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ( [الكهف: 65]، فعرف بهذا العلم من الغيبيات الماضية والحاضرة والمستقبلية ما عجز موسى عليه السلام عن الصبر على الجهل بها، فما صبر على ما أنكره من أفعال الخضر عليه السلام، فكانت تصرفاته مبنية على معرفة غيبية مما علمه الله عز وجل، فلم يكن يعرف الغيب بذاته كما يزعم الكهان والعرافين، ولكن عرفه بإعلام الله تعالى له، ففعل ما فعله بأمر الله عز وجل وليس عن أمره، قال تعالى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ( [الكهف: 82] فعرف ما في الحال بقدوم الملك ليغتصب السفينة، وعلم ما سيكون عليه حال الغلام في المستقبل من فتنة والديه، وعلم ما كان مدفونا في الماضي من الكنز تحت الجدار.

   _ هناك أحد الجن المسلمين من ملأ سليمان عليه السلام كان عنده علم من الكتاب، فاستطاع نقل عرش ملكة سبأ في أقل من لمح البصر، قال تعالى: (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) [النمل: 40]، بينما عجز سليمان عليه السلام عن الإتيان به من تلقاء نفسه، مما يعني أن الله اختص أحد ملأه بعلم لم يكن لديه، كما اختص الله تعالى الخضر عليه السلام بعلم لم يكن لدى موسى عليه السلام.

   _ هناك علم شريف منيف يفوق قدرات الجن وهو (علم الملكين هاروت وماروت) أنزله الله عليهما، فكان فتنة للجن في مقابل علم السحر، فكان ابتلاءا وامتحانا لهم، قال تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) [البقرة: 102]، فتلقته شياطين الجن واستخدمته في السحر والتفريق بين المرء وزوجه، بدلا من استخدامه في الخير ونصرة الدين، قال تعالى: (فَيَتَعَلَمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرَّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ).

    _ لقد آتى الله (قارون) ثروة طائلة في زمن قصير بعلم خاص جهله أهل عصره، فأنكر فضل الله ونسب العلم لنفسه، قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) [القصص: 78]، ولو كان ماله جاء بعلم محرم لترتب على ذلك حرمة ماله، ولو كان ماله حراما لما طالبه الله تعالى أن يبتغي به الدار الآخرة، فالحرام لا ينال به الجنة.

    _ وأخيرًا هناك علم السحر، وهو كفر محض نسبه الله تعالى إلى الشياطين، ولم ينسبه لنفسه عز وجل، قال تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يَعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [البقرة: 102]، ومن يتعلمه يستطيع صنع فوائق للعادات يتفوق بها على بني جنسه.

    سوف نتناول بالبحث واحدًا من بين هذه العلوم، ونبين مدى صلته بالجن والسحر، وهو العلم المنزل على هاروت وماروت، حيث زعم اليهود والسحرة أن العلم المنزل عليهما هو (علم سحر)، وهذا ما نفاه الله عز وجل، في قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يَعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرَّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ)، وإن كان هذا العلم مصدره الملائكة فلا يتفق أن يكون سحرا كما يروج السحرة واليهود، فيقولون كذبًا وزورًا؛ (سحر هاروت وماروت)، لأن السحر قائم على الكفر والندية لله تبارك وتعالى، والكفر يتنافى مع عصمة الملائكة، ويتعارض أن يكون الدين عند الله الإسلام ثم ينزل من لدنه علم السحر وهو كفر، فالضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان معا.

    من السلف من نفي الزعم القائل بأن علم هاروت وماروت كان سحرًا، فمن تفسير ابن كثير عليه رحمة الله قال: (وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: (وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) يقول: لم ينـزل الله السحر. وبإسناده، عن الربيع بن أنس، في قوله: (وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) قال: ما أنـزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنـزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. فيكون قوله: (بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت) من المؤخر الذي معناه المقدم. قال: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) -“من السحر”- (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) وما أنـزل الله “السحر” على الملكين، (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ببابل وهاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين: جبريل وميكائيل، عليهما السلام؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنـزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينـزلا بسحر، وبرأ سليمان، عليه السلام، مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان، اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًا عليهم. ( هذا لفظه بحروفه) ا. هـ

    إن علم هاروت وماروت قاصر تلقيه على الجن، وهذا لعجز الإنس على التواصل مع الملائكة والالتقاء بهم، وبالتالي لا يمكن للإنسي تلقي هذا العلم عن الملكين مباشرة إلا بواسطة الجن، فقد ثبت أن الجن يرون ما لا نراه من العوالم الغيبية كالملائكة، وهذا ما أقر به الشيطان لعنه الله من قول الله تعالى: (إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ) [الأنفال: 48]، فرؤية الملائكة من خصائص قدرات الجن، يستوي في ذلك مؤمنهم وكافرهم، بل وفي قدرتهم سماع كلام الملائكة أيضًا، قال تعالى: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا) [الجن: 8، 9]، إذًا فالجن يرون حراس السماء الدنيا من الملائكة، ويسترقون السمع من الملائكة، وهذا شاهد قوي يدل على رؤية وسماع الجن للملائكة، فإن ثبتت هذا في قدرة شياطين الجن، فمن باب أولى أن يثبت في حق الصالحين منهم أيضا، وعليه فهذه القدرات مما اختص الله بها الجن عمومًا، فإن كانت رؤية الملكين هاروت وماروت قاصرة على الجن، ومستحيلة في حق الإنس فإن هذا العلم يقصر تلقيه على الجن دون الإنس، وما يشيعه السحرة من إمكان الالتقاء بالملكين لتلقي هذا العلم عنهما، هو تدليس لا أصل له في شرع الله، هذا إن لم يكن يتعارض مع النصوص، وأي زعم بعد هذا فليس إلا تلبيس من الشياطين.

   إن عجز الإنس عن التواصل بالملائكة لا يمنع وصول (علم هاروت وماروت) إليهم، ولكن من الممكن أن يصل بشكل غير مباشر عن طريق الجن، وليس بمباشرة التلقي عن الملكين، وهذا تجاوز في ظاهر الأمر، فرغم أنه علم حلال إلا أنه لم يبلغ في علمي أن أحد من البشر وصل إلى هذا العلم، لكن هذا لا يمنع أن الجن قد نقلت هذا العلم إلى بعض البشر، وهذا عن طريقين لا ثالث لهما، الطريق الأول من خلال إدخال علم هاروت وماروت في علم السحر، وهذا تشويه لهذا العلم الشريف، وطعن في عصمة الملائكة ورفعة منزلتهم، والطريق الثاني أن الجن المسلمين نقلته إلى الإنس، وهذا ليس له شواهد تؤيده، وعلى هذا فلدى الجن علم حق أعلى وأشرف من علم السحر الباطل، يمكن بواسطته تحقيق الكثير مما يعجز الجن عن الإتيان به، وهو العلم المنزل على (الملكين هاروت وماروت)، وإذا كان هذا العلم يفوق قدرات الجن ويحقق لهم ما يعجزون عنه، فهذا يقتضي تفوقه على قدرات الإنس أيضا، فطالما أنه علم أنزل على الملائكة واصطفاهم الله به على الإنس والجن، إذًا نستطيع القول بأن علم هاروت وماروت هو (علم ملائكي)، من حيث من اختصوا بهذا العلم وأنزل عليهم، وإن كان في الأصل أنه (علم رباني) من حيث أنه علم منزل الله تبارك وتعالى.

    تعليم هذا العلم شمل الجن عموما مؤمنهم وكافرهم، لقوله تعالى (وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ)، فقوله (مِنْ أَحَدٍ) ليس فيه تخصيص لشياطين الجن من دون المسلمين، وهذا ينفي الزعم الباطل بأنه سحر، فالجن الصالح لا يتعلم السحر لحرمته، وعلى هذا يحمل معنى الآية على تعليم الملكين للجن عمومًا، مؤمنهم وكافرهم، مما يدل على أن الجن المسلمين لهم نصيب من هذا العلم، مما يمنحهم القدرة على مواجهة سحرة الجن بهذا العلم، قال تعالى: (حَتَى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)، فالدخول في الكفر لا يتحقق إلا بالخروج من الإيمان، أو بالإيغال في الكفر من بعد كفر، وعلى هذا يتحقق أن من يتعلمون هذا العلم ليس شرطا أنهم شياطين في الأصل، ولكن يدخل في تعلمه الجن المسلم أيضا، لكن بطبيعة الحال ليس هذا العلم مما هو متاح لدى كل جني، إنما متاح لخاصتهم وأكابرهم، فلو أتيح هذا العلم لسفهاء الجن وعامتهم لصارت فوضى نتيجة سوء استخدامه، فمن البديهي وجود عقبات كثيرة أمام الجني يتطلب منه تجاوزها حتى يصل إلى هذا العلم.

    هذا العلم ما هو إلا اختبار للجن من الله تعالى وابتلاء لهم، قال تعالى: (حَتَى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)، والفتنة هنا لا تفيد أن هذا العلم شر، بل تثبت الابتلاء والاختبار الناتج حرية استخدام هذا العلم في الخير أو الشر، قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35]، مما يشهد أن علم الملكين لا يحمل كفرا في ذاته، ولكن من يتعلمه مخير في أن يستخدمه إما في الخير وإما في الشر، ولكن الآية الكريمة أثبتت أن الشياطين تستخدمه في الشر، كالتفريق بين المرء وزوجه، وبهذا أدخلوا طرفا من علم هاروت وماروت في السحر، مما دعم السحر وزاده قوة وتأثيرًا في المسحور، وهذا أكسب سحر الجن لبعضهم بعضا قوة تفوق قدراتهم كجن، وإدخال هذا العلم في السحر كان سببا في إحكام الشياطين قبضتهم بالسحر على ملك سليمان عليه السلام، ومنهم جنوده من الجن المسلمين، في الوقت الذي صار السحر معضلا بالنسبة للبشر ومستعصي عليهم التعامل معه، وهذا بدوره يشكل عقبة كبيرة أمام المعالجين، فكيف بنا الحال لو كان هناك علوما أخرى شبيهة بهذا العلم لا يعلمها أغلب الجن أنفسهم؟ إذًا فنحن المعالجين في واقع الأمر جهلاء، ونتخبط في منهج العلاج، خاصة وأنه تحكمنا التجربة لا المنهج العلمي، فيجب أن نفرق بين مشروعية المنهج، وبين صحة المنهج، فالمشروعية لا تقتضي بالضرورة صحة كل ما يقوم به المعالج وفق السنن الكونية الخاضع لها الجن، وإذا قام أحد واجتهد واكتشف الجديد، رموه بالبدعة والضلالة وكأنه خرج على مشروعية العلاج، فلا مانع من ظهور الجديد بشرط أن لا يتعارض والثوابت الشرعية، لكن أن نجعل من التأصيل والتقعيد حكما على صحة كل جديد، فهذا منهج يخالف العقل الحصيف، لأن التأصيل والتقعيد مرتبط بالمشروعية لا بالسنن الكونية المجهولة لدينا.

    يجب أن نتبنه إلى أن سحرة الجن لا يمكن أن تقدم علم هاروت وماروت مجردًا أمام سحرة الإنس، ينهلونه غضا طريا كما أنزل، ولكن يزجون بطرف منه في السحر، حتى لا يدري الساحر أيهما هو العلم الحق وأيهما العلم الباطل، لذلك نرى أن السحرة يزجون بكلام الحق من كتاب الله تعالى في سحرهم، وهذا مما يكسبه قوة، وهي قوة المعصية، فبكل معصية يقيض الله بها شيطانا يقترن بالساحر، فيزداد سحره قوة بهذا القرين، فبدخول هذا العلم في السحر صار استخدامه باطلا، لأنه صار يستخدم فيما يضر ولا ينفع، ليحتفظ الشياطين لأنفسهم بالسيادة على سحرة الإنس فزادوهم رهقًا، وليمعنوا في إضلالهم والسيطرة عليهم، فيتيحون لهم من العلم ما يحقق مآربهم من استقطاب سحرة الإنس، وليكسبوا سحرهم ما يفتقده من قوة متوفرة في علم هاروت وماروت، وبالتالي يحقق لهم طموحاتهم في السيطرة على المسلمين من الثقلين، ليكون لهم بذلك العلو في الأرض، وهذا مما يتفق والأهداف التي يسعى اليهود لتحقيقها من السيطرة على العالم بأسره، والذين امتدت سيطرتهم من داخل نطاق الكرة الأرضية، إلى السبق في غزو الفضاء خارج مجال الجاذبية الأرضية، ومحاولة ارتياد الكواكب الأخرى، وبالتالي احتكار (علوم الفضاء) بسيطرتهم على رأس المال العالمي.وإذا كانت الجن تتعلم من الملكين ما أنزله الله عليهما من علم شريف منيف، إلا أنه من الواضح أنه علم معجز يفوق علم السحر، وبالتالي فهو آية وحجة عليهم في مقابل السحر، ليعلموا حقيقة أن السحر كفر مبين ولا يغني من الحق شيئًا، قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء: 18)، فهو علم يليق بجلال الله تبارك وتعالى منزل هذا العلم على الملكين، فهو علم جدير بهما كملكين كريمين، وبالتالي فهو معجز للجن ولسحرتهم خصوصا، فلا يستطيعون الإتيان بمثله، وبالتالي كان حجة عليهم كجن، وليس حجة على الإنس الذين لا يعلمون شيئا من تفاصيله، هذا عسى أن يرتدعوا وينتهوا عما بين أيديهم من السحر، ولأن هذا العلم معجز، فتأثيره أشد قوة من تأثير السحر، وبالتالي فهو فتنة لما فيه من قوة لا يضاهيها ما في أيدي سحرة الجن من علوم السحر، وبالتالي فعلم هاروت وماروت تستخدمه شياطين الجن للسيطرة على الجن أمثالهم، وخاصة في السيطرة على أكابر الجن المسلمين، ويزداد تأثير تعقيدا إذا كان سحر مشترك بين الجن والإنس ضد الإنس أو الجن المسلمين، لذلك فهذا العلم فتنة أي اختبار لمتلقيه وهذا من قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)، فإن كان هذا العلم معجزًا، إذًا فمن المحال أن يكون الهدف من تعليمه هو الكفر، فإن لم يمكن كفرًا في ذاته، إلا أنه من الممكن استخدامه في أعمال كفرية.

    فكما نسب اليهود كذبا تعليم السحر إلى سليمان عليه السلام، فكذلك كذبوا فنسبوا تعليم السحر إلى الملكين هاروت وماروت، وهذا نقلا عن شياطين الجن، وهذه هي طامة النقل عن الجن بغير بينة من الشريعة والعقل، فسرب اليهود ضلالات شياطين الجن ويحسبون أنهم مهتدون، رغم أنه علم أنزل عليهما، والإنزال لا يكون إلا من الله عز وجل، لقوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)، فنفى الله عز وجل الكفر عن سليمان عليه السلام، فقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)، ونسب تعليم الناس السحر وهو كفر إلى الشياطين، فقال: (وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)، وأثبت أن علم هاروت وماروت منزل عليهما مما يقتضي سلامته من الكفر، وأنه ليس بسحر، فالشياطين لا تنقل علم الملكين إلى السحرة مستقلا عن علوم السحر، بل تطمس جميع معالمه بإدخاله في السحر.

    والخلاصة أن الشياطين يستخدمون علم الملكين هاروت وماروت في أفعال الشر والضرر، وهو علم شريف منيف يمكن استغلاله في الخير كما يمكن استغلاله في الشر، فحامل هذا العلم في وضع اختبار، فأدخلوا هذا العلم في السحر، ثم نسبوا علم السحر إلى الملكين الكريمين هاروت وماروت، فالعلة ليست في علمهما ولكن العلة فيمن يستخدم علمها في الشر لا في الخير، فأساءوا بذلك إلى العلم المنزل من الله على الملكين كما أساءوا إلى سليمان عليه السلام، وما هو إلا ابتلاء للجن واختبار لهم، فاستخدموه فيما يضر ولا ينفع، هذا لأن السحر ضرر محض لا نفع فيه، قال تعالى: (وَيَتَعَلَمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ)، وهذا فيه إشارة على أن شياطين الجن كانت تدلس على سحرة الإنس من اليهود، فتضع مع علوم السحر وفنونه بين ما هو من جملة علم هاروت وماروت، خاصة وأن بعض أنواع السحر تستخدم فيه بعض الأسماء الشريفة والآيات الكريمة من الكتب المنزلة، وبذلك يدلس عليهم ويحسبون أنهم على حق، فالصوفية على سبيل المثال يتبعون ما في كتب السحر مثل كتاب (شمس المعارف الكبرى) للبوني، ولو طالعنا هذا الكتاب وما شابهه من الكتب والمصنفات، سوف نجد المؤلفين يمدحون هذا العلم ويجعلون منه أجل وأخص العلوم، فيسمونه (الحكمة) وما هو إلا عين السفاهة والبرطيل.

اختراق السدود والحواجز

اختراق الجن للسدود والحواجز
 الكاتب: بهاء الدين شلبي.
اختص الله تعالى الجن بقدرات خاصة تفوق قدرات الإنس، ومن هذا لا يصح عقلا أن نقيس قدرات الجن الفائقة على قدراتنا المحدودة، وأن نتنبه إلى أن الشرع لم يذكر كل خصائص عالم الجن على وجه التفصيل، ولكن هناك إشارات توضح لنا تفوق قدراتهم على قدراتنا، ومن خلال الاحتكاك بهذا العالم المغاير ووفق المعايير الشرعية نكتشف كل يوم الجديد من خصائص عالمهم التي تعد غريبة ومدهشة لنا، ومن هذا يمكن أن نقول بإمكان للجان اختراق الحواجز والسدود، ولكن هذا كلام ليس على إطلاقه، فله استثناءات، قدر ندرك بعضها ويخفى علينا الكثير منها، لكن يجب أن نضع قاعدة أن كل شيء ليس على عمومه فهناك دائما استثناءات، والشاهد على قدرة الجن على اختراق السدود، ما صح عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله تعالى حين يدخل وحين يطعم قال الشيطان‌:‌ لا مبيت لكم ولا عشاء هاهنا، وإن دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان‌:‌ أدركتم المبيت، وإن لم يذكر اسم الله عند مطعمه قال‌:‌ أدركتم المبيت و العشاء).‌
فإننا إذا أغلقنا باب البيت وذكرنا اسم الله لم يدخل الشيطان، وإذا لم نذكر اسم الله دخل رغم غلق، إذا فغلق الباب لا يمنع الشيطان من دخول البيت، هذا باعتباره جنا، مما يثبت قدرة الجن عموما على اختراق الحواجز والسدود، وكل قاعدة ولها استثناء، فما ذكر اسم الله عليه عجز الشيطان فقط عن اختراق، وهذا نص خاص مقيد بالشياطين، فلا يشمل عوامر البيت من الجن المسلمين، مما يعني أن لهم القدرة وحدهم على اختراق ما ذكر اسم الله عليه، وهنا إذا ضعفوا وتمكن الشيطان أو الساحر من الضغط والتأثير عليهم بالمساومة على أعراضهم مثلا، أمكن له تمرير ما أرده من خلالهم، ويضعف الجن المسلمين ببعد أهل البيت عن ذكر الله، ويقوى بتقربهم له عز وجل، لاحظ من الحديث السابق أن الشيطان يتكلم من داخل البيت، لقوله (لا مبيت لكم ولا عشاء هاهنا) فقوله (ها هنا) ظرف مكان عائد على البيت، أي أن الشيطان يتكلم من داخل البيت، مما يدل على أنه قرين صاحب البيت، لأن القرين مقترن بصاحبه حيث ذهب كان معه، فيستطيع الدخول والخروج رغم غلق الباب، وهذا استثناء أيضا، هذا بخلاف الحمام فعن زيد بن ارقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل ‌:‌ أعوذ بالله من الخبث و الخبائث)، فالخلاء وهو جزء من البيت تحضره الشياطين فرغم ذكر اسم الله تبارك وتعالى حين دخول البيت، إلا أن التعوذ قبل دخول الخلاء واجب على كل حال من الأحوال أذكر اسم الله حين دخول بيته أم لم يذكره، فإن كان الجن المسلمين يعمرون البيت، فإن الشياطين يعمرون الخلاء والحمامات.
قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَؤُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنيَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنفَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 38: 40].
فقياسًا على أن الجن يستطيعون حمل عرش من بلد إلى الآخر، فإن حملالإنسان من مكان إلى الآخر يعد أسهل وأهون لخفة وزنه عن وزن العرش، والشاهد هنا قدر الجن على اختراق جدران قصر ملكة سبأ بجماد، ونقله إلى القدس، فإذا كان للجن القدرة على نقل جماد مادي واختراق مادة الجدران به، فمن باب أولى أن يخترق الجان الجدران والحواجز والسدود.
وباعتبار أن الروحانيون يتعاملون مع الجن، والقرائن تحديدًا، لا أرواح الموتى كما قد يفهم من ظاهر مزاعم أهل الكتاب، والذين ينكرون وجود الجن، ويؤمنون بالأرواح والشياطين باعتبارهم ملائكة ساقطين، فهناك حادثة مسجلة تثبت تفوق قدرت الجن على قدرات البشر، وتؤكد قدرة الجن على خطف إنسان وحمله من مكان إلى الآخر في أقل من لحظة، وهي تشابه إلى حد كبير قصة نقل الجن عرش بلقيس من سبأ إلى القدس، وهناك قصة مسجلة تؤكد قدرة الجن على نقل شيء مادي، واختراق الحواجز والسدود بهذا الشيء من مكان إلى الآخر.
ذلك (ما حدث في جلسة روحية عقدت بتاريخ 23يونيه سنة 1871 بالمنزل رقم 16 بشارع لامز كوندويت Lamb’s Conduit، بحي هاي هولبورن High Holburn، الذي يقع بمدينة لندن. وكان وسيطاها فرانك هيرن Frank Herne ووليامز Williams، وكانا متزاملين دائمًا منذ شهر يناير من ذلك العام. وكان الوسيطان (كالمعتاد) مقيدي الوثاق، والأبواب محكمة الإغلاق، وقد ألف المختبرون تجسد روحين بصفة دائمة وهما جون كنج J. King وكريمته كاتي كنج Katie King. وهذان الروحان كثيرًا ما يعملان معًا في الجلسات، ويشار إليهما مجتمعين معًا في كثير من التقاريرالروحية، وسجلات الباحثين الروحيين.
وفي هذه الجلسة أشارت كاتي إلى أنها قد سئمت المجلوبات العادية كالخواتم، والأحجار الكريمة وغبرها، وأن والدها قد حذرها من الإفراط في استخدام طاقتها الأكتوبلازمية، لكنها تريد مع ذلك الاستمرار في سبيلها. وعندئذ قال لها هازلاً الأستاذ وليام هاريسون W.Harrison رئيس تحرير مجلة (الإنسانالروحي) الذي كان موجودًا: (لماذا لا تحضرين السيدة جابي Guppy(أجنس نيشول)؟) أثارهذا الاقتراح الفريد ضحك باقي الحاضرين الذين كانوا يعرفون السيدة جابي بوصفها وسيطة مشهورة، وعرف عنها ضخامة الجسم لطولها وبدانتها. وعندئذ قبلت كاتي التحدي قائلة: (نعم سأفعل ذلك، وسأحضر السيدة جابي!). فأجابها الحاضرين: (كلا لا ينبغي أن تفعلي ذلك إذ قد تلحقين ضررًا بالمرأة المسكينة). لكن كاتي أجابت بإصرار (كلا سأفعل ذلك).
وكانت السيدة جابي تجلس في ذلك الوقت في منزلها بحي هايبوري Highbury على بعد ثلاثة أميال، بجوار المدفأة ممسكة دفترًا وقلمًا، وتجلس في مواجهتها صديقتها الآنسة نيلاند Neyland تتصفح جريدة. وعندئذ سعلت السيدة جابي قليلاً، فلما التفتت إليها صديقتها وجدتها اختفت تاركة مكانها ضبابًا خفيفًا، وذيلاً من الضوء بجوار السقف.
وأولئك الجالسون في الدائرة الروحية يقررون أنه لم تمض سوى ثلاث دقائق منذ الوقت الذي أعلنت فيه كاتي كنج عن رغبتها في إحضار السيدة جابي حتى سمعوا صوت ارتطام جسم ضخم في منتصف منضدة الجلسات. وشعر السيد إدواردز بأن يد تمس رداءه، وعندئذ أضاء أحدهم ثقابًا فشوهدت السيدة جابي واقفة وسط المائدة، وبيدها قلم ودفتر كانا في يدها من قبل، وكانت يدها اليمنى التي تمسك بالقلم تخفي وجهها كما لوكانت تحاول أن تدرأ أمرًا ما.
وكان يبدو عليها الذهول عن الحاضرين، ولم تجب بالتالي عن أسئلتهم. ونصح جون كنج الحاضرين بأن يدعوها هادئة لبضع دقائق: (وستصبح حالاً فيحالة طيبة). وبعد أربع دقائق تحركت السيدة جابي لأول مرة منذ وصولها في الساعة الثامنة إلا عشر دقائق، وزفرت زفرة حادة من شدة تبرمها، وبدا عليها أنها بدأت تشعر بوجود الحاضرين وبأنها ترتدي ملابسها المنزلية المتواضعة. ثم قالت شاكية: (لكنني لم أكن أبدًا مستعدة للخروج خارجًا، ولم أرتد حتى الحذاء) وبمجرد إبدائها هذه الشكوى أخذت ملابسها تساقط من السقف بما في ذلك حذائها، وقبعتها، وبض عيدان من صنف خضاركانت تجري طهيه في منزلها!.
ودون محضر تفصيلي بمعرفة الدكتور إبراهام وألماس Abraham Wallace نشر في مجلة الضوء Light موقعًا عليه من الحاضرين وعددهم أحد عشر شاهدًا. كما نشرت الواقعة في مؤلف عن (الروحية الحديثة Modern Spiritualism) للعلامة الدكتور فرانك بودمور Frank Podmore (ج2 ص 259) (وهو من أكثر الباحثين حذرًا في قبول الوقائع) حيث يقرر أن المحققين انتقلوا بعد حدوث الظاهرة إلى منزل السيدة جابي ووجدوا فيه صديقتها ليلاند التي روت لهم كيف أنها منذ ساعة أو ساعتينكانت تجلس مع السيدة جابي بجوار المدفأة يتحادثان عندما وجدت زميلتها قد اختفت بغتة تاركة وراءها ذيلاً من الضوء بجوار السقف).
وبطبيعة الحال كان للواقعة دويهافي الصحف والمجلات الروحية والعادية، وأثارت نقاشًا ضخمًا في كل البيئات. لكن عوامل الثقة فيها كثيرة، وقد نشرتها (موسوعة العلم الروحي) على أنها واقعة ثابتة علميًا. كما نشرها الدكتور ناندور فودور Nandor Fodor صاحب الموسوعة في مؤلفه بعنوان (العقل فوق الفضاء Mind Over Space). ( )
أما داخل الجسم فإن الشيطان يتخذ له مسارات يتحرك خلالها، هذا بالرغم من قدرته على الوصول إلى هدفه مباشرة مخترقا جميع أعضاء الجسم، والشاهد من قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال شرا)، فالشيطان يجري مجرى الدم وهذا مسار محدد له داخل الجسم، حتى يصل إلى القلب فيوسوس، رغم أنه كان من السهل عليه الوصول مباشرة إلى القلب بدون الجريان في هذه المسارات المحددة، وهذا استثناء جدير بأن نلتف إليه، إذا فهناك سبب ما وسر هام جدا وراء لزوم الشيطان هذه المسارات داخل الجسم البشري، وذا بحاجة مني إلى بحث وتحري في هذه المسالة، ومثل هذه المسائل الدقيقة هي ما تشغل بال المعالج الباحث.
لكني توصلت مؤخرا إلى أن بالفعل للجن مسارات محددة داخل الجسم، تبدأ من باطن القدم، وتمتد في مسارات محددة داخل الساق حتى تصل إلى الركبة، ومنها إلى (العصعص) أو (عجب الذنب)، فمنه يركب جسم الإنسان، وما أدراك مدى أهمية هذا العضو بالنسبة للجن، وأهميته في حياة الإنسان، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق و منه يركب)، حقيقة لا يزال هذا الجزء من جسم الإنسان لم يحظى بحقه من البحث والدراسة العلمية والتشريحية حتى اللحظة، فمن الأسرار الجديدة التي أطرحها على المعالجين، أن الجن يخترق الجسم حتى يصل إلى (العصعص) أو (عجب الذنب)، ومنه ينطلق إلى السيطرة على كامل الجسم.
فمن علامات المس والسحر وجود آلام في موضع هذا العضو الصغير جدا، وبالضغط بالإبهام مع الرقية على هذا العضو يستهل المريض صارخا من شدة الألم المبرح، وقد يحضر الجن مرغما، بل قد تنطلق الشياطين هاربة من الجسم أيضا، هذا حسب التزام المريض بالمنهج الشرعي والعلاجي المحدد له، وعلى المعالج مراعاة الضوابط الشرعية مع النساء، وهذا أمر لا يحتاج لشرح فهو من آداب مهنة الطبيب.
إن الذي يمنع الشيطان من تناول الطعام أنه محرم عليه فلا يستحله إلا إذا تركنا ذكر اسم الله على طعامنا، فعن‏ ‏حذيفة ‏‏قال‏ :كنا إذا حضرنا مع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فيضع يده وإنا حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جارية كأنها ‏ ‏تدفع ‏ ‏فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذر سول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بيدها ثم جاء أعرابي كأنما ‏ ‏يدفع ‏ ‏فأخذ بيده فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: (‏‏إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها)، والشاهد هنا من قوله صلى الله عليه وسلم (‏‏إن الشيطان يستحل الطعام)، والاستحلال هنا يفيد التحريم في الأصل، والتحريم نوعان شرعي وقدري، والتحريم الشرعي الشيطان مخير فيه، كالزنا مثلا ورد نص تشريعي بحرمته، وإن كان من الممكن إتيانه، والتحريم القدري فلا اختيار للشيطان فيه ولا سلطة له على اختراقه، كحال المسيح الدجال، فإن مكة والمدينة محرم عليه دخولهما قدريًا،كما في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ،إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق)، والتحريم القدري هنا منوط بذكر اسم الله تعالى، فالشيطان يستحل بواسطتنا ما حرمه الله عليه قدريا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليستحل بها) و(ليستحل به).
قال الإمام النووي رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله تعالى عليه)معنى (يستحل) يتمكن من أكله, ومعناه: أنه يتمكن من أكل الطعام إذا شرع فيه إنسان بغير ذكر الله تعالى. وأما إذا لم يشرع فيه أحد فلا يتمكن. وإن كان جماعة فذكر اسم الله بعضهم دون بعض لم يتمكن منه, ثم الصواب الذي عليه جماهير العلماء من السلف والخلف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة في أكل الشيطان محمولة على ظواهرها, وأن الشيطان يأكل حقيقة إذ العقل لا يحيله, والشرع لم ينكره , بل أثبته فوجب قبوله واعتقاده. والله أعلم.) ا. هـ
وظاهر الأمر أن الذي يمنعه هو حصانة ربانية من الله عز وجل حرز بها أرزاق البشر، وإلا لأفسدت الشياطين الزروع والثمار والمواشي والأنعام وحرمت البشر من رزقها، لكن الشياطين تمكنت من إفسادها عن طريق عملائهم من السحرة والمفسدين في الأرض، فلا يكفي غلق الباب حتى لا يفتحه الشيطان، ولكن لا بد من ذكر اسم الله حتى يغلق الباب غلقا فعليا يمتنع معه دخول الشياطين إلى البيت، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا)، وقبل ترك التسمية فهو مغلق قدريا بحصانة ربانية من الله عز وجل، فإذا أغفلنا ذكر الله انقطعت عنه الحصانة الربانية وفتح الباب للشيطان.
وإن مهمة الشيطان هنا ليست فقط مجرد التهام الطعام، أو البحث عن مسكن يأوي إليه، وإلا فقصور أثرياء الكفار العامرة وعالم الجن فيه من أصناف الطعام والشراب ما يكفيه، ولكن له أهداف أخرى وراء ذلك كله، فهو يحضر عند كل شيء من شأن من شؤوننا، ففي الحديث عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركةأي أن الشيطان في شغل وتربص بنا وبأرزاقنا، فللشيطان هدفان رئيسيين فالأول يشاركنا أرزاقنا، والثاني يفسد علينا صالح أعمالنا، فلا يتفق أن يترك الشيطان عمله الذي نذر نفسه له وهو التسلط علينا، لمجرد إدراك المبيت والطعام والشراب، فإن لم يدخل بيوتنا ولم يأكل معنا فسوف يجد رزقه بعيدا عنا.
يجب أن نضع في اعتبارنا أن لكل تحصين فترة صلاحية، بعدها يفقد صلاحيته ويحتاج إلى تجديد، وقد حدد الحديث الشريف مدة صلاحية التحصين بفترة المبيت، وهو مدة الإقامة والمكث في البيت، فهي تبدأ من دخول الرجل بيته وذكر اسم الله عند غلق الباب، وتنتهي بانتهاء المبيت في بيته، وينتهي المبيت عادة بخروج المرء من بيته، فقد يستمر المبيت من ليلة وحتى الصباح، وقد يستمر عدة أيام يبيت المرء فيها داخل بيته فلا يخرج منه، وخلال هذه المدة هو غير ملزم بتكرار التحصين ما لم يخرج ويرجع مرة أخرى، فيبقى البيت بدون تحصين إلى أن يدخله مرة أخرى ، والشياطين طوال هذه الفترة لا حاجة له إلى دخول البيت، لأنه مع صاحبه خارج البيت ليفسد عليه دينه ودنياه.
وهناك فائدة أخرى، وأمر جدير بنا ذكره، أن الجن المسلمين يعجزون عن عون إنسي من تلقاء أنفسهم، ما لم يستعن الإنسي بالله عز وجل، وإن استعان بغيرالله عز وجل عجزوا عن مد يد العون له، وتخلوا عنه تماما، لأن الاستعانة بغير الله تفتح الباب لتدخل الشياطين، وحينها لا مجال لدور الجن المسلمين إلا أن يدفعوا عن أنفسهم صولة الشياطين بسبب سوء عمل أهل البيت، ومن أوجه الاستعانة بالله عز وجل ذكر اسم الله عند كل شيء من أمورنا، فالذي يمنع الشياطين من دخول البيت، بعد ذكر الله وجود عوامر البيت من الجن المسلمين، فالله يدفع بهم عن بيوت الإنس، وسبب ذلك أنهم مكلفون بمجاهدة شياطين الجن ودفع شرهم، قياسا على تكليف الإنس بالجهاد، فينتفعون بالطعام إذا ذكر اسم الله عليه، وكذلك يدركون المبيت إذا ذكر اسم الله حين الدخول، والشاهد من حديث علقمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ساله الجن المسلمين الزاد قال: (كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحما وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن)، فمشاركة الجن المسلمين لنا في أرزاقنا مرهونة بكل ما ذكر اسم الله عليه.
أما في حالة عدم ذكر اسم الله فالشياطين تستبيح الطعام والمبيت، ولا مكان حينها لعمار البيت من المبيت والطعام، فيفقدون الحماية المطلوبة لهم بذكر اسم الله، فيتم فرارهم لتحل الشياطين محلهم في البيت، لأن مبيت الجن المسلمين وطعامهم قاصر على أن يذكر اسم الله عز وجل، وعلينا أن نتخيل كيف يمكن أن يكون حال بيوتنا وقد خلت اليوم من ذكر الله، ومن عمارها من الجن المسلمين والملائكة الأبرار، حتى إن ذكر الله انعدمت مقتضياته وحلت نواقضه، من سماع الغناء وفساد الممارسات العقدية، من تعليق التمائم، وترك الصلاة، وانتشار البدع والضلالات.

اختراق الجن حجاب الرؤية

اختراق الجن حجاب الرؤية

 الكاتب: بهاء الدين شلبي.

وأرى أن الاعتقاد الباطل في أرواح الموتى هو السبب في كثرة نشاط السحرة في المقابر، حيث يتم فيها دفن أوامر التكليف، لأنها من الأماكن المهجورة التي تعج بالشياطين، وخصوصا قرائن المتوفين، حيث تجتمع القرائن قربا من مقرونيها المقبورين بعد موتهم، إلى أن يأذن الله بموت هذه القرائن، ومن خلال المقابر يستحضر أصحاب تحضير الأرواح قرين فلان ومخاطبته، ويتم بطرق خاصة سوف نشرحها في حينها بإذن الله تعالى، وبالصور سوف نرى بأعيننا صورة لما يحضر في أثناء الجلسات.فمن الممكن للجني بقدراته الفائقة على قدرات الإنس أن يخترق الحجاب بين عالم الإنس والجن ليظهر في عالم الإنس، فيراه جميع البشر، غالبا ما يكون في صورة مألوفة للبشر، بحيث لا يستطيعون تمييزه إذا كان جنا أم إنسا، ومن الممكن أن يظهر لشخص ما فيراه وحده، بينما لا يراه من حوله، وحدوث مثل هذا الاختراق يتم بواسطة السحر، حيث يقوم به أحد سحرة الجن، وعن أبي شيبة (أن الغيلان ذكروا عند عمر بن الخطاب فقال: (إن أحدًا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، لكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا). قال الحافظ: إسناده صحيح.( )

والأصل أن الله حجب الجن عن أعين الإنس فلا يرى الإنسي الجني، فامتناع الإنس من رؤية الجن لقوله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: 27]، أي أن الإنسي لا يملك القدرة على رؤية الجني، ويستثنى من هذا الحكم الأنبياء والمرسلين، فقد وروى البيهقي في ” مناقب الشافعي ” بإسناده عن الربيع سمعت الشافعي يقول: (من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيا). انتهى

وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذا القول اختلافا كثيرا، خاصة أن هناك شواهد من الكتاب والسنة تثبت أن هناك من رأوا الجن، والواقع يشهد بأن من المصابون بالمس والسحر من يرون الجن، والسحرة يرون الجن أيضا، ومنه ما يطلق عليه الأطباء تجاوزا مصطلح (هلاوس سمعية وبصرية)، وهذا قد يبدو لأول وهلة تعارضا بين النص السابق، وبين شواهد تجزم برؤيتهم حسب ما لدينا من نصوص وفيرة، والحقيقة أننا لدينا سوء فهم للنصوص، واللبس الذي حصل في المسألة أن هناك فارق بين إمكان رؤية الإنسي للجني، وبين إمكان الجني الانتقال من عالم الجن إلى عالم الإنس، أي قدرة الجني على الظهور في عالم الإنس، وهذا يعني أن للجن قدرة أو حيلة ما تمكن الإنسي أن يراه، وهذا ما سأوضحه في مستعرض شرحي بإذن الله تعالى، والرد على هذا له صلة وثيقة بعلم وظائف الأعضاء، والذي يدرسه الأطباء.

فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن رؤية الأنبياء للجن تكون رؤية للجن على صورتهم التي خلقوا عليها، بينما رؤية غيرهم تكون بعد تصور الجن في صور بعض البشر أو الحيوانات، ولكن حسب علمي الخاص وما ورد أمامي من أدلة كثيرة لا مجال لحصرها خشية الإطالة، أن للجن صورا وأشكالا كثيرة، ولكن ما ثبت لي أن الأصل فيهم حسن الخلقة كالبشر تماما، هذا إلى جانب أن منهم أصناف حيات وكلاب وطيور فعن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجن على ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون)،( ) وأرى والله أعلم أن هذا النص على سبيل المجاز لا الحصر، فقد علمنا بالتواتر أن هناك أصناف خلاف ما ورد في النص كالقطط مثلا، وإنما تغلب الصور القبيحة على الشياطين من الجن، إبرارا بقسم إبليس عليه لعائن الله، قال تعالى: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّه) (النساء: 119).

وإن كان الأصل امتناع رؤية الجن إلا أن هذه القاعدة لها استثنائات يطول بنا إيراد نصوصها، حيث ثابت إمكان تصور الجن وتشكله في صور مختلفة بحيث يتبدوا لنا، فلا نعلم كونهم من الجن، كما ظهر الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأبي هريرة ولعمر رضي الله عنهما، لكفار قريش وخاطبهم وهم لا يعلمون حقيقة كونه الشيطان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم منهم شيئًا)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة قال: (إن الشيطان عرض لي، فشد علي ليقطع الصلاة علي، فأمكنني الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول سليمان عليه السلام رب (هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) فرده الله خاسيا).( )

فهذا الحديث شاهد على إمكان ظهور الجن عيانًا بحيث يراه جميع الحضور، وغير ممتنع على إطلاقه، لقوله صلى الله عليه وسلم (حتى تصبحوا فتنظروا إليه) يفيد إمكان رؤيته من جميع البشر، فقد يرى المريض الجن في صورة أشباح وأشخاص أشكالهم مختلفة، مابين أشخاص معروفونلديه أحياءا وأمواتا، وصور الحيوانات المختلفة، أو وجوه قبيحة مفزعة، وهذا مما قد يثير الرعب والفزع لدى المريض، حتى أن كثير منهم شاب شعرهم رغم صغر سنهم وفي فترة وجيزة من شدة هول ما يرون.

كيف يرى الإنس الجن:
وتتم رؤية الإنسي للجني بحضور قرين الرائي من الإنس على عين ومخ مقرونه، ويتم الإبصار نتيجة لاشتراك عين القرين وهو من الجن مع عين مقرونه من الإنسن، وكذلك اشتراك مركز إبصار القرين مع مركز إبصار مقرونه، وبحضور القرين على نفس جهاز الرؤية لدى مقرونه تتم رؤية الجن وهو لا يزال في عالم الجن، ولم يخترق بعد الحجاب بين العالمين، وهذا يتم وفق شروط وضوابط خاصة، حيث لابد من وجود وسيط بين القرين او الجني وبين جسد الإنسان وأجهزته حتى يمكن حدوث هذا الاشتراك بين عالمين، وهذا الجسد هو (قرين مادة الجسم الجني) له صفات الإنسي وخصائص الجني، وسوف أشرحه مستقلا بذاته، فهو من الأبواب الجديدة في العلم التي لم يتطرق إليها العلماء بعد.


العين مجرد آلة مهمتها نقل الصور إلى مركز الإبصار في المخ من خلال العصب البصري

لاحظ تشريح العين وموضع العصب البصري وامتداده إلى الفص الخلفي من المخ

وعلى هذا فطالما أن الإبصار يتم عن طريق مركز الإبصار في المخ، فيمكن رؤية الجني والإنسان مغمض العينين، لأن الإبصار هنا يتم من خلال مركز الإبصار في المخ مباشرة لا من خلال العين، وفي بعض الأحيان يكون الجني ماثلا أمام الرائي فيراه من خلال عينيه، بعد ان تقع صورة الدجني على مركز الإبصار في المخ.
 


لاحظ الفص الخلفي من المخ والمسؤول عن عملية الإبصار
وترجمة الإشارات الواصلة إليه من العين إلى صور يدركها الإنسان

وعلى هذا يمكن رؤية الجن منامًا كما يمكن رؤيتهم يقظة، بشرط وجود وسيط من الجن يحضر على مركز الإبصار في مخ الرائي، وقد يكون الإنسان مصاب بالمس أو السحر والجن متسلطون على جسده ومسيطرون عليه، فيمكن لأحد الشياطين المعتدين عليه الحضور بدلا من القرين، وهذا بهدف ترويع هذا المريض، إلا أنه غالبًا ما يتم الإبصار من خلال قرين الرائي من الجن، وهو ما يقوم بتحضيره مدعي تحضير الأرواح، حيث يخضعون قرائن الحضور بالتعازيم الكفرية، فيرون قرين المتوفى بصوته وصورته أمامهم بواسطة عين قرائنهم، ويتأكد هذا لديهم إذا أخبرهم بأحداث ماضية وقعت بينهم وبين المتوفى، فيظنوا بذلك أنه روح المتوفى، لذلك قد يراه أحد الحضور بينما لا يراه الباقين، بسبب سيطرة المحضر على قرين الرائى فقط دون باقى الحضور، وهذا هو سر الكشف البصري والسمعين وهو الذي يعتبره الأطباء (هلاوس سمعية وبصرية) خروجا من مأزق اتهامهم بالجهل، وبحثهم عن أي سبب منطقي لما يجهلون به، كونهم يعدون هذه الأعراض تقع في دائرة تخصصهم.


لاحظ امتداد العصب البصري إلى فص المخ الخلفي
حيث مركز الإبصار الذي من خلاله يتحقق إبصار الأشياء

وتعليل ذلك أن العين هي مجرد آلة للرؤية فقط، ولكن عملية الإبصار وترجمة ما تراه العين يقع على مركز الإبصار في الفص الخلفي من المخ، لذلك فهناك فارقة بين الرؤية وبين الإبصار، لذلك قد يبصر النائم في منامه صورا كثيرة ومتعددة، أبصرها عن طريق مركز الإبصار في المخ، ولم يرها من خلال عينيه، لأن عينينه في أثناء النوم مغمضتين، فإذا اشترك مخ الجني مع مخ الإنسي أمكن للجني أن ينقل أفكاره إلى مخ الإنسي، وأمكن أن يرى الإنسي نفس ما يراه الجني، ويسمع نفس ما يسمعه الجني، لذلك أطلقت عليه مصطلح (الكشف السمعي والبصري)، وهذا هو السبب في أن المريض يرى ويسمع أشياء لا يدكها المحيطين به، فيظن أنه مختل عقليا، ويشخص الأطباء ذلك على أنه هلاوس سمعية وبصرية، وأنا أقول (لا) أيها الأطباء الأفاضل، أنتم أخطأتم في حكمكم، لأن هناك نصوص وشواهد شرعية تثبت صحة تشخيصي، وإن كانت لا تنفي صحة تشخيصكم في بعض الأحيان، لأن ما تسمونه هلاوس يكون ذلك والمريض في كامل قواه العقلية وصحته البدنية، وفي كامل وعيه وإدراكه، فمن المستحيل أن يجتمع الضدان معا، وعي وهلوسة.